
من إنصاف الإعلاميين إلى استعادة هيبة القرار
صداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*في اللحظات التي تمر فيها الدول بمنعطفات حادة، لا تُقاس قوة القيادة بما تُعلنه من قرارات، بل بقدرتها على تحويل هذه القرارات إلى واقع ملموس يغيّر حياة الناس. وفي السودان، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع تعقيدات الإدارة، يبرز ملف الإعلاميين، وعلى وجه الخصوص العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بوصفه اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في إنفاذ قراراتها واستعادة توازن مؤسساتها.
*يعيش العاملون بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون تحت وطأة معاناة قاسية نتيجة تراكم مستحقات مالية لم يتم الوفاء بها رغم الإعلان عنها، حيث لا تزال في ذمة الهيئة حقوق واضحة تشمل البدل النقدي لعامي 2025 و2026، وفروقات بدل الوجبة بواقع 30 ألف جنيه لمدة 15 شهرًا، وبدل اللبس لعام 2026، إلى جانب فروقات تعديلات المرتبات المعلنة قبل بداية العام نفسه، وكذلك تعديلات بدل اللبن للفترة ذاتها، فضلًا عن بدل اللبس الواقي الذي ظل حبيس خزائن الهيئة لأكثر من أربع سنوات دون صرف أو توضيح. إن هذا التراكم لا يمثل مجرد أرقام مؤجلة، بل يعكس واقعًا معيشيًا بالغ القسوة، يواجه فيه العاملون ظروفًا اقتصادية ضاغطة دون الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي، الأمر الذي يستدعي وقفة جادة ومسؤولة لإنصافهم ورد حقوقهم كاملة دون تأخير أو تسويف.
*ووسط ذلكم الظلم جاء إعلان رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل الطيب إدريس تبنيه رعاية مشروع دعم الصحفيين بمثابة رسالة سياسية واضحة تعكس إدراكًا عميقًا لدور الإعلام في هذه المرحلة الحرجة، وتقديرًا لتضحيات الصحفيين الذين لم يقفوا موقف المتفرج، بل انخرطوا في معركة الوعي، مدافعين عن الدولة ومؤسساتها، ومتحملين كلفة باهظة تمثلت في فقدان الوظائف، وتدمير المؤسسات، واستشهاد واعتقال عدد من زملائهم. غير أن هذا التقدير، على أهميته، يظل ناقص الأثر ما لم يُترجم إلى إجراءات تنفيذية دقيقة وسريعة تعيد الحقوق إلى أصحابها.
*إن جوهر الإشكال لا يكمن في غياب الإرادة السياسية، بل في فجوة التنفيذ التي عطّلت وصول كثير من القرارات إلى مستحقيها. ويكفي أن نشير إلى أن العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لم يتمكنوا من الاستفادة من منحة عيد الفطر والآن جاءت منحة عيد الأضحى، رغم صدور التوجيهات بصرفها. وبالفعل مؤسسات عديدة صرفت منحة عيدالفطر المبارك بينما مكاتبات الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون قيل امس وصلت مكتب الدفعيات بوزارة المالية.. هذا لمنحة عيد الفطر المبارك أم منحه عيد الأضحى المبارك وهو على الأبواب لاحديث عنها ، وهو أمر لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل هيكلي في منظومة الإدارة والتنفيذ والمتابعة. هذا الخلل، إن تُرك دون معالجة، لا يضر فقط بهذه الفئة، بل يضرب مصداقية الدولة نفسها، ويخلق حالة من الإحباط العام تجاه أي قرار مستقبلي.
*من هنا، تبرز الحاجة الملحّة لأن يقود رئيس مجلس الوزراء بنفسه برنامجًا تنفيذيًا صارمًا، لا يكتفي بإصدار التوجيهات، بل يتابع مراحل تنفيذها خطوة بخطوة، ويضع آليات واضحة للمساءلة، تبدأ بتحديد المسؤوليات بدقة، وتمر برقابة فعالة على الأداء، وتنتهي بمحاسبة كل من يتسبب في تعطيل حقوق الناس. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالنوايا، بل بالأنظمة التي تضمن أن يصل القرار إلى آخر حلقة في سلسلة التنفيذ دون تشويه أو تأخير.
*وفي قلب هذا الإصلاح، تبرز أهمية إعادة تعديل أمر تأسيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لسنة 2014م وهيكلة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون عبر تشكيل مجلس إدارة فاعل، يستند إلى الكفاءة والخبرة، ويتولى مراجعة الهياكل الوظيفية والمالية، بما يحقق العدالة للعاملين، ويرفع من كفاءة الأداء المؤسسي. فهذه الهيئة، التي تمثل صوت الدولة وذاكرتها، لا يمكن أن تستعيد دورها في ظل أوضاع إدارية مختلة أو بيئة عمل غير مستقرة. إن تشكيل مجلس إدارة قوي ليس إجراءً إداريًا فحسب، بل خطوة استراتيجية لإعادة بناء الثقة في الإعلام الرسمي وتمكينه من أداء رسالته الوطنية.
*وفي هذا المشهد، لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي يقوم به الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، الذي ظل، رغم كل التحديات، سندًا حقيقيًا للصحفيين، ومدافعًا صلبًا عن حقوقهم. فقد برز الأستاذ الصادق الرزيقي، رئيس الاتحاد، كقائد نقابي حريص على جمع الكلمة وتوحيد الصف، فيما جسّد الأستاذ محمد الفاتح، نائب الرئيس، نموذجًا للحضور الميداني الفاعل، من خلال تحركاته المستمرة ولقاءاته مع صناع القرار، ناقلًا صوت الصحفيين بوضوح وشجاعة.
*كما يواصل الأستاذ صلاح عمر الشيخ، الأمين العام، أداءه المتميز بروح مهنية عالية، مستندًا إلى خبرة طويلة ورؤية متزنة، تسعى إلى ترسيخ العمل المؤسسي داخل الاتحاد. وتبرز الأستاذة محاسن الحسين كنموذج مشرف للمرأة القيادية المخلصة، التي جمعت بين الحس الإنساني والالتزام المهني، مقدمة مثالًا يُحتذى في العطاء والتفاني. ولا يقل عنهم عطاءً الأستاذ مرتضى شطة، الذي يمثل صورة ناصعة للإخلاص في العمل النقابي، حيث ظل حاضرًا في كل تفاصيل قضايا زملائه، مقدمًا جهدًا صادقًا يعكس انتماءً حقيقيًا للمهنة.
*إن هذه الجهود النقابية، على أهميتها، تحتاج إلى شريك تنفيذي قوي داخل الدولة، يحول المطالب إلى قرارات، والقرارات إلى واقع. فالقضية اليوم لم تعد قضية مطالب مهنية فحسب، بل قضية استقرار قطاع كامل يُعد من ركائز الدولة الحديثة. ولا يمكن الحديث عن إعلام قوي ومؤثر في ظل أوضاع معيشية قاسية يعيشها العاملون فيه، أو في ظل مؤسسات مهددة بالشلل.
*كما أن رعاية الدولة للمؤسسات الإعلامية التي تضررت من الحرب، وإعادة تأهيلها، تمثل جزءًا لا يتجزأ من عملية إعادة البناء الوطني، فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو صانع للوعي، وحارس للهوية، وخط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل. وإن دعم هذه المؤسسات، إلى جانب تفعيل مبادرة صندوق العمل الاجتماعي للصحفيين، يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لاستعادة التوازن في المشهد الإعلامي. وملاحقة ومتابعة علاج المئات من الزملاء والزميلات. وبصورة عاجلة.
*إن اللحظة الراهنة تفرض على الدولة أن تنتقل من مربع التعاطف إلى مربع الفعل، ومن إعلان النوايا إلى تحقيق النتائج. فكل يوم يتأخر فيه تنفيذ القرارات، تتسع فيه فجوة الثقة، وتتعمق معاناة العاملين، وتضعف قدرة المؤسسات على القيام بدورها. والعكس صحيح: كل خطوة جادة في اتجاه التنفيذ تعني استعادة جزء من هيبة الدولة، وتعزيز ثقة المواطنين في قيادتهم.
*في نهاية المطاف، لا تُقاس الدول الكبرى بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة هذه الموارد بعدالة وكفاءة. وإن إنصاف الإعلاميين، وفي مقدمتهم العاملون في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ليس منحة تُقدَّم، بل حق يجب أن يُؤدّى، وهو في الوقت نفسه استثمار في استقرار الدولة ومستقبلها. فحين تصل القرارات إلى أصحابها، تستعيد الدولة معناها، ويستعيد الناس ثقتهم، وتبدأ رحلة التعافي الحقيقي.