
حين يتآكل الداخل… انشقاق النور قُبة يكشف أزمة الثقة والبنية داخل الدعم السريع (2-2)
د. عبدالناصر سِلِم حامد
*أحداث مستريحة كشفت أثره على الأرض.. فاستهداف منطقة ذات ثقل اجتماعي مرتبط بموسى هلال لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل لحظة كسرت العلاقة بين القوة وحاضنتها. ففي دارفور، الحاكورة ليست مجرد أرض، بل تمثل امتداداً للشرعية الاجتماعية، واستهدافها يُفهم بوصفه تحولاً في طبيعة العلاقة بين القوة وبيئتها.
*ولم تكن هذه التطورات معزولة عن السياق الأوسع، بل ارتبطت مباشرة بما سبقها من مؤشرات داخلية، وعلى رأسها اعتقال عباس كتر بخيت، الذي شكّل نقطة تحول في إدراك القيادات لطبيعة المرحلة. فهذه الحادثة خلقت حالة من الشك داخل الدوائر المرتبطة به، خاصة في ظل موقعه داخل منظومة الاستخبارات، ما انعكس على مستوى الثقة داخل التنظيم.
*وعندما انتقلت هذه التوترات إلى كتم خلال أبريل 2026، لم تعد مجرد مؤشرات داخلية، بل تحولت إلى واقع ميداني. فحادثة استهداف المدنيين خلال حفل زفاف، إلى جانب ما تردد عن محاولة اعتقال العقيد (حمودي عليا)، وما تبع ذلك من تحركات عسكرية تُقدّر بنحو خمسين عربة قتالية، كلها دلائل على أن الخلاف لم يعد قابلاً للاحتواء داخل الأطر التنظيمية.
*عند هذه المرحلة، لا تعود الأزمة مجرد خلاف، بل تتحول إلى إعادة اصطفاف ميداني غير معلن، حيث تبدأ مراكز القوة في إعادة تموضعها خارج السيطرة المركزية.
*في هذا السياق، لم يكن انشقاق النور قُبة بداية الأزمة، بل لحظة ظهورها للعلن. فقد جاء نتيجة لتقاطع عدة عوامل: ضغط اجتماعي، وتوتر داخلي، وتراجع تدريجي في مستوى الثقة داخل التنظيم.
*وتشير التقديرات إلى أنه خرج بقوة تتراوح بين 21 و50 عربة قتالية، وهو ما يمكن وصفه بـ(وحدة مناورة عالية المرونة)، تعتمد على معرفة دقيقة بخطوط الإمداد غير التقليدية والمسارات الصحراوية.. وخروج هذه القوة لا يعني فقط فقدان عنصر قتالي، بل فقدان جزء من الذاكرة العملياتية التي يصعب تعويضها.
*وعلى المستوى القبلي، يعكس هذا التطور اختلالاً حساساً داخل الرزيقات نفسها، بين المحاميد والماهرية، وهو نوع من التوتر يُعد من أخطر أشكال الصراع، لأنه يحدث داخل الحاضنة، لا خارجها.
*لكن التأثير الأعمق لا يبدو عسكرياً بقدر ما هو نفسي. فالتماسك داخل هذه التكوينات يعتمد على (الثقة التشغيلية)، أي الإحساس بأن القيادة قادرة على ضبط التوازنات. وعندما تبدأ هذه الثقة في التراجع-even بصمت- فإن أثر ذلك يظهر لاحقاً في شكل قرارات مترددة واصطفافات غير واضحة.
وهنا يحدث التحول الحقيقي: من سؤال (هل يمكن أن يحدث انشقاق؟) إلى سؤال متى سيحدث؟، وهو التحول الذي يشير إلى انتقال التنظيم من حالة التماسك إلى مرحلة القلق الداخلي.
*ومن زاوية أوسع، يمكن فهم ما يحدث بوصفه انتقالاً من مرحلة التوسع إلى مرحلة تثبيت النفوذ، وهي المرحلة التي تظهر فيها التناقضات بشكل أوضح، ويصبح التعامل معها أكثر تعقيداً
ولهذا، فإن ما يواجهه الدعم السريع لا يبدو انهياراً مفاجئاً، بل مساراً بطيئاً من التآكل، وهو النوع الأخطر من الأزمات، لأنه لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجياً حتى يصبح واقعاً
وفي المقابل، يستفيد الجيش السوداني من هذه التحولات، ليس فقط من خلال استيعاب قيادات ميدانية، بل أيضاً عبر إعادة تشكيل ميزان الثقة داخل الصراع.
*في النهاية، قد تبدو هذه الأحداث منفصلة، لكنها في الحقيقة مترابطة وتشير إلى مسار يتشكل بهدوء تحت السطح.
*في دارفور، لا تنهار القوى عندما تُهزم في معركة، بل عندما تبدأ في فقدان ثقتها بنفسها-وعندها، لا يكون الانهيار حدثاً، بل نتيجة مسار بدأ منذ زمن.