آخر الأخبار

(1-5) الخريف وتداعياته

أصداء  من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*الخريف في السودان ليس مجرد فصلٍ عابر في تقويم الطقس، بل هو إختبار سنوي للقدرة على الصمود، وموسم تتقاطع فيه النعمة مع المحنة. تهطل الأمطار فتُحيي الأرض وتبعث في الحقول روحاً جديدة، لكنّها في الوقت نفسه تكشف هشاشة الاستعداد، وتفضح قصور التخطيط، فتتحول المياه من مصدر حياة إلى سببٍ للغرق والتشريد.. هذه المفارقة القديمة المتجددة هي التي تجعل من الخريف قضية دولة، لا مجرد شأن موسمي.

في كل عام، تتكرر المشاهد ذاتها: قرى تغمرها السيول، طرق تنقطع، أسر تُهجّر، وممتلكات تضيع بين ليلة وضحاها. ومع ذلك، يظل السؤال المؤلم معلقاً: لماذا لا نتعلم بما يكفي من دروس الأمس؟ ولماذا نظل أسرى رد الفعل بدلاً من صناعة الفعل؟ فالسودان، بما يملكه من موارد مائية هائلة، وعلى رأسها نهر النيل، ليس بلداً فقيراً في الإمكانيات، بل في الإدارة والتوظيف.

*إن الحديث عن الخريف لا يكتمل دون التوقف عند النيل، هذا الشريان العظيم الذي ظل لقرون يمنح الحياة دون أن يُستثمر كما ينبغي. ومن هنا تبرز أهمية المشروع الذي تم التوقيع عليه في عام 2012 مع الشركة الصينية لتنفيذ منظومة لنقل المياه عبر نظام (البوت) (التشييد والتشغيل ثم استرداد التكلفة)، والذي يستهدف توظيف مياه النيل من كوستي نحو ولايات تعاني العطش الموسمي مثل شمال كردفان ودارفور. هذا المشروع ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية، لأنه يحوّل فائض الخريف من تهديد إلى فرصة، ومن مياه مهدرة إلى مورد مستدام يعيد تشكيل الخريطة الزراعية والإستقرار السكاني في تلك المناطق.

*اليوم، ومع وصول السفير السوداني إلى الصين، وهو من الكفاءات الوطنية التي يُعوّل عليها كثيراً، فإن الفرصة مواتية لإحياء هذا الملف ووضعه على طاولة التنفيذ الجاد.. فالعلاقات مع الصين، بما تملكه من خبرة وقدرة تمويلية، يمكن أن تكون مدخلاً حقيقياً لإنقاذ البلاد من دوامة الفيضانات المتكررة والعطش المزمن في آنٍ واحد، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والمتابعة الدقيقة.

*وعلى مستوى الداخل، فإن ولاية نهر النيل، التي حملت إسم هذا النهر العظيم، مطالبة بأن تكون نموذجاً في حسن إدارة الخريف لا ضحيته. لا يكفي أن تُشكّل اللجنة العليا للطوارئ، فالتجارب أثبتت أن المركزية وحدها لا تصنع الحماية. المطلوب أن تمتد هذه اللجان إلى مستوى المحليات والقرى، حيث تقع المواجهة الحقيقية، وحيث تُقاس فعالية القرار.

الاستعداد لا يبدأ عند أول قطرة مطر، بل قبل ذلك بوقت كافٍ، عبر حشد الآليات، وتطهير المصارف، وفتح القنوات، وإزالة الاختناقات التي تتسبب كل عام في كوارث كان يمكن تفاديها. كما أن مراجعة ما حدث في العام الماضي ليست ترفاً، بل واجب أخلاقي وإداري. القرى التي غمرتها المياه، والأسر التي شُرّدت، لا ينبغي أن تُترك للنسيان. أين ذهب أولئك الناس؟ وكيف يعيشون الآن؟ وهل تم توفير بدائل سكنية آمنة لهم، أم تُركوا ليواجهوا مصيرهم في صمت؟.

*إن إعادة النظر في أنماط السكن أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل.. فاستمرار البناء بالطين الهش في بيئة تتكرر فيها الأمطار الغزيرة هو وصفة جاهزة للكوارث.. وهنا تبرز مسؤولية شركات الأسمنت في الولاية، والتي حققت أرباحاً طائلة على مدى السنوات الماضية. لم يعد مقبولاً أن يبقى الأسمنت سلعة بعيدة عن متناول المواطن، في ولاية تضم عدداً كبيراً من المصانع. المطلوب هو تدخل حكومي لفرض سعر تركيزي عادل يتيح للمواطنين بناء مساكن أكثر صلابة، قادرة على مقاومة الأمطار والسيول.

*إن الخريف يمكن أن يكون موسماً للبناء لا للهدم، إذا ما أُحسن التخطيط له.. ويمكن أن يتحول من مصدر قلق إلى ركيزة للتنمية، إذا ما استُثمرت مياهه، ووُجهت موارده، ووُضعت له السياسات التي تليق بحجمه وتأثيره. لكن ذلك لن يحدث بالشعارات، بل بالعمل الجاد، وبالانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد.

*وفي ظل تداعيات حرب أبريل 2023، التي أضعفت البنية التحتية وزادت من هشاشة المجتمعات، يصبح الاستعداد للخريف أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالأزمات لا تأتي فرادى، وإذا لم يُستدرك الأمر الآن، فإن كلفة الإهمال ستكون مضاعفة.

*هذه هي بداية حديثٍ لن ينتهي عند هذا المقال، بل سيمتد في سلسلة نتابع فيها تفاصيل الخريف، وتداعياته، وسبل التحوط له… لعلنا نضع أيدينا، ولو قليلاً، على الطريق الصحيح.