
البرهان وبن سلمان … التوقيت والدلالات قراءة استراتيجية في لحظة إقليمية حرجة
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
*في خضم مشهد إقليمي مضطرب تتداخل فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، تكتسب زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية ولقائه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان أهمية تتجاوز الإطار البروتوكولي إلى مستوى التحولات الاستراتيجية العميقة. فالتوقيت الذي جاءت فيه هذه الزيارة ليس عاديًا، بل يعكس إدراكًا متقدمًا لمكانة السودان في معادلة الأمن الإقليمي، كما يكشف عن دور سعودي متنامٍ يسعى لإعادة ضبط التوازنات في منطقة تعاني من توترات متصاعدة على أكثر من جبهة.
*المنطقة اليوم محاطة ببؤر مشتعلة من كل الاتجاهات؛ جنوبًا تستمر الحرب في اليمن، شرقًا تتقاطع المصالح الدولية في الخليج، غربًا تتصاعد التهديدات المرتبطة بالبحر الأحمر، وشمالًا لا يقل المشهد تعقيدًا في ظل التنافس الدولي على النفوذ. في هذا السياق، يبدو السودان كحلقة مفصلية في سلسلة الأمن الإقليمي، نظرًا لموقعه الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا والعالم العربي، ويشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم من هنا، فإن أي تحرك سياسي أو دبلوماسي يتعلق بالسودان يحمل في طياته أبعادًا تتجاوز حدوده الجغرافية.
*لقد لعبت المملكة العربية السعودية أدوارًا محورية في التعاطي مع الأزمة السودانية منذ اندلاعها، حيث كانت من أبرز الأطراف التي سعت إلى احتواء التصعيد ودعم مسارات الحل السلمي. فقد استضافت جدة جولات تفاوضية بين الأطراف السودانية، في محاولة لوقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وهو ما يعكس التزامًا سعوديًا واضحًا تجاه استقرار السودان.. كما قدمت المملكة دعمًا إنسانيًا ملحوظًا، وساهمت في إجلاء المدنيين من مناطق النزاع، في خطوة تعكس مسؤولية إقليمية تتجاوز الحسابات الضيقة.
*هذا الدور لا يمكن فصله عن الرؤية السعودية الأوسع التي تسعى إلى بناء بيئة إقليمية مستقرة، تمهيدًا لتحقيق أهداف التنمية والتحول الاقتصادي. فالمملكة تدرك أن الاستقرار في محيطها الجغرافي هو شرط أساسي لنجاح مشاريعها الكبرى، وأن السودان يمثل جزءًا لا يتجزأ من هذا المحيط. لذلك، فإن الانخراط السعودي في الملف السوداني لا يأتي من باب الوساطة فقط، بل من منطلق شراكة استراتيجية تهدف إلى إعادة بناء الدولة السودانية على أسس الاستقرار والتوازن.
*أما زيارة البرهان في هذا التوقيت، فهي تحمل دلالات متعددة، من بينها رغبة القيادة السودانية في كسر حالة العزلة السياسية، والانفتاح على شركاء إقليميين يمتلكون القدرة على التأثير. كما تعكس إدراكًا سودانيًا لأهمية الدور السعودي في دعم أي مسار سياسي قادم، سواء من حيث الوساطة أو من حيث الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار. ومن المرجح أن تكون الزيارة قد تناولت ملفات حساسة، تشمل مستقبل العملية السياسية، وترتيبات الأمن في البحر الأحمر، بالإضافة إلى سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات متعددة.
*كما أن اللقاء بين بن سلمان والبرهان يمكن قراءته في إطار إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، حيث تسعى المملكة إلى لعب دور أكثر فاعلية في إدارة الأزمات المحيطة بها، مستفيدة من ثقلها السياسي والاقتصادي. وفي ظل تراجع أدوار بعض القوى التقليدية، تبرز السعودية كفاعل رئيس قادر على التأثير في مسارات الصراع، ليس فقط في السودان، بل في مجمل الإقليم.
*اللافت في هذه الزيارة أيضًا أنها تعكس تحولًا في طبيعة التعاطي مع الأزمة السودانية، من مقاربات جماعية متعددة الأطراف إلى تحركات ثنائية أكثر تركيزًا وفاعلية. وهذا قد يشير إلى قناعة متزايدة بأن الحلول الواقعية تتطلب تدخلات مباشرة من قوى تمتلك أدوات التأثير، وهو ما ينطبق على المملكة العربية السعودية.
*في المحصلة، فإن زيارة البرهان إلى الرياض ولقاءه بولي العهد السعودي تمثل لحظة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، وأن السودان لا يزال حاضرًا بقوة في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية. كما تعكس هذه الزيارة إدراكًا متبادلًا لأهمية التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاعل السياسي قد تسهم في إعادة رسم ملامح الإستقرار في المنطقة بأسرها.