المسكيت.. آفة يجب إستئصالها أم ثروة تحتاج إلى إدارة ذكية (1-2)
- الأشجار الشيطانية تلتهم أخصب الأراضي الزراعية في السودان
- قرون المسكيت وجبة شهية للإبل وفكرة إستخراج السكر منها محدودة الجدوى
- التحدي يكمن في كيفية إدارة هذه الشجرة بوعي يحقق التوازن بين منافعها وأضرارها
- خبراء البيئة: هذه الشجرة تحولت إلى نبات غازي تلتهم بشراهه الغطاء النباتي
حسينارتي – عادل الحاج:
في صمتٍ مريب تتمدد شجرة المسكيت على خارطة السودان تزحف بلا إستئذان لتعيد رسم ملامح الأرض بين ضفاف النيل والدلتاوات الزراعية.. فبينما يراها البعض شجرة شيطانية تهدد الزراعة والمياه يلمح آخرون لفرصة إقتصادية كامنة فيها.. فهل نحن أمام كارثة بيئية أم مورد لم يُحسن إستغلاله بعد؟.
غزو مفتوح:

على إمتداد ضفاف النيل بالولاية الشمالية، حيث كانت الأرض تفيض خضرةً وتتنفس حياة، يتبدّل المشهد شيئاً فشيئاً… أشجار كثيفة متشابكة الأغصان، تفرض حضورها بقوة حتى تكاد تحجب ما سواها.. إنها شجرة المسكيت، التي لم تعد مجرد نباتٍ عابر، بل تحولت إلى قضية بيئية وإقتصادية تُثير جدلاً واسعاً بين المزارعين والخبراء وصنّاع القرا ر.. فبينما يراها البعض غزواً صامتاً يلتهم الأرض ويهدد سبل العيش، تتصاعد في المقابل أصوات تدعو إلى إعادة النظر فيها، بإعتبارها مورداً طبيعياً يمكن إستثماره، لما تحتويه من عناصر غذائية وإستخدامات متعددة.
لم تكن بداية المسكيت في السودان مثيرة للقلق، فقد أُدخلت هذه الشجرة في إطار جهود مكافحة التصحر وتثبيت التربة، مستفيدةً من قدرتها الفائقة على التكيف مع البيئات القاسية وشُح المياه، غير أن هذه الميزة ذاتها تحولت مع مرور الوقت إلى عامل تهديد وغزو مفتوح، حين خرجت الشجرة عن نطاق السيطرة وبدأت في الإنتشار بشكل كثيف وعشوائي مخيف.. تنتج المسكيت كميات كبيرة من البذور التي تنتقل بسهولة عبر الحيوانات والطيور والرياح، ما يساعدها على غزو مساحات جديدة بسرعة لافتة، ومع غياب برامج فعّالة للسيطرة عليها، أصبحت اليوم تغطي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي، خاصة في المناطق القريبة من مصادر المياه.. يقول أحد المزارعين من القرير بالولاية الشمالية في إفادة ميدانية للصحيفة:
لم نكن ننتبه لها في البداية، كانت مجرد شجيرات متناثرة هنا وهناك، لكن خلال سنوات قليلة، أصبحت تسيطر على الأرض بالكامل، وهذا في حد ذاته أصبح مشكلة كبيرة في مكافحتها لأنها تغزو الأراضي الزراعية بسرعة هائلة.
نقمة أم نعمة؟:

تُجسّد شجرة المسكيت في السودان نموذجاً معقّداً لما يمكن وصفه بـ(النعمة والنقمة) في آنٍ واحد، فبينما يرى بعض الرعاة، مثل مالك الإبل، فضل السيد الشيخ عبد الله، من حسينارتي، بالولاية الشمالية:” قرون المسكيت تمثل علفاً مثالياً للإبل حيث تأكل ثماره دون أوراقه الخضراء وذلك بفضل توفرها طوال العام وإحتوائها على نسبة من الرطوبة.
خبراء البيئة يؤكدون: هذه الشجرة، التي أُدخلت أساساً لمكافحة التصحر، تحولت إلى نباتٍ غازي سريع الإنتشار ينافس الغطاء النباتي المحلي بشراسة، إذ تؤدي كثافتها العالية إلى تراجع التنوع الحيوي وإختفاء نسبة كبيرة من النباتات الأصلية، كما تسهم جذورها العميقة في إستنزاف المياه الجوفية وزيادة ملوحة التربة، ما يهدد النشاط الزراعي.. وفي المقابل، لا يمكن إغفال فوائدها الإقتصادية المحتملة، مثل إستخدامها كعلف، ومصدر للوقود، وإمكانية إستثمار قرونها في الصناعات الغذائية.. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الحقيقي في السودان هو كيفية إدارة هذه الشجرة بوعي يحقق التوازن بين تعظيم منافعها والحد من أضرارها البيئية والإقتصادية.
لم يقتصر تأثير المسكيت على تغيّر المشهد الطبيعي فحسب، بل إمتد ليطال صميم النشاط الزراعي والرعوي، إذ تعمل جذورها العميقة على إمتصاص كميات كبيرة من المياه الجوفية، ما يؤدي إلى تقليل حصة المحاصيل الزراعية، خاصة في البيئات التي تعاني أصلاً من ندرة المياه.. كما تشكل كثافتها العالية عائقاً أمام حركة المزارعين والآليات الزراعية، فضلاً عن تقليص المساحات الصالحة للزراعة، وفي المراعي تحدّ من نمو النباتات الطبيعية التي تعتمد عليها الماشية، ما ينعكس سلباً على الإنتاج الحيواني.
الشجرة الدخيلة:

يؤكد المستثمر الزراعي،عبد الرحيم سيد أحمد بلال، من منطقة حسينارتي بالولاية الشمالية، أن شجرة المسكيت تُعد من أخطر المهددات للقطاع الزراعي، واصفاً إياها بـ(الشجرة الدخيلة) التي تنتشر بكثافة على حساب الرقعة الزراعية.. ويوضح أنها تتكاثر بصورة كبيرة عبر الحيوانات، ما يسهم في تسريع إنتشارها داخل الحقول والمشاريع الزراعية، إلى جانب إستنزافها للمياه بشكل لافت.. ويرى، بلال، أن أضرار المسكيت في البيئة المحلية تفوق بكثير فوائدها، خاصة في بلد يعتمد إقتصاده بشكل أساسي على الزراعة.. كما يشير إلى أن الإستفادة الإقتصادية منها، كإستخلاص الأعلاف أو المنتجات الأخرى، تظل محدودة وغير مجدية في ظل الظروف الحالية، لافتاً إلى أن زراعتها لا تضاهي من حيث العائد محاصيل إستراتيجية مثل القمح، والفول، والبرسيم، بل وحتى النخيل، مما يجعل الإبقاء عليها خياراً غير مفضل من منظور إقتصادي وزراعي.
تجربة ميدانية:

في شهادة ميدانية تعكس حجم التحدي وتعقيداته، يروي المهندس الزراعي، صلاح الدين الرشيد محمد خير، المدير المقيم السابق بشركة الصالحاب العالمية للإستثمار والخدمات المحدودة، تجربته مع شجرة المسكيت، تلك الآفة التي أثارت جدلاً واسعاً بين ضررها وإمكانية الإستفادة منها، حيث قال:
في العام 1999م ، وأثناء عملي مديراً للحفريات بشركة الصالحاب العالمية للإستثمار والخدمات المحدودة، تعاقدنا مع هيئة تعمير القاش لتنفيذ أعمال حفريات وتطهير ترع وقنوات نهر القاش بولاية كسلا، حيث كنت المهندس المقيم بالمشروع، ففي إطار ذلك دفعنا بعدد (15) حفاراً، وامتدت أعمالنا عبر مختلف تفاتيش نهر القاش، بدءاً من تفتيش كسلا (سلام عليكم)، مروراً بمكلي، ودقين، ومتتاتيب، وتندلاي، وهداليا، وتمكّنا من حفر أكثر من مليون ونصف متر مكعب، وقد إنعكس ذلك مباشرة في زيادة الرقعة الزراعية خلال ذلك الموسم، غير أن التحدي الأكبر تمثل في شجرة المسكيت، التي غطت مساحات واسعة من دلتا القاش، حيث عُرفت بقدرتها العالية على إستنزاف التربة وسرعة إنتشارها، وكانت مكافحتها تتطلب جهداً مضاعفاً، إذ لا بد من إقتلاعها من جذورها بإستخدام الحفارات، ثم تركها حتى تجف قبل حرقها، ومع ذلك تعود للنموء مجدداً عقب موسم الخريف، ما يفرض تكرار العملية في العام التالي.. ويمكن القول إن السيطرة على هذه الشجرة تحتاج إلى إمكانيات ضخمة وإستمرارية في المكافحة، وهو ما لا يتوفر دائماً.. ولا يقتصر إنتشار المسكيت على دلتا القاش وحدها، إذ امتد إلى دلتا طوكر بولاية البحر الأحمر، حيث غطى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، المصنفة ضمن الدرجة الأولى، والتي تتجدد خصوبتها سنوياً.. ورغم الجهود التي بذلتها الحكومة وبعض الشركات الخاصة، إلا أن ضعف الإمكانيات حال دون القضاء عليه، مما حرم تلك الأراضي من الإستغلال الأمثل في زراعة المحاصيل المختلفة.. ورغم هذا الوجه القاتم، لا تخلو شجرة المسكيت من جوانب يمكن توظيفها اقتصادياً، إذ يمكن الإستفادة منها في إنتاج الفحم المضغوط القابل للتصدير، كما تُستخدم ثمارها كعلف للحيوانات، أما فكرة إستخراج السكر منها، فتظل محدودة الجدوى في السودان، لإرتباطها بالحاجة إلى مساحات زراعية واسعة، في وقت يُعد فيه إنتاج السكر من القصب أقل تكلفة، إلى جانب تجارب دول أخرى تعتمد على البنجر.
الحلقة القادمة:
ــ أشجار المسكيت.. إستئصال أم إستثمار؟
ــ المسكيت يمكن ان يسهم في الأمن الغذائي والقرار بيد من يملكون القدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
ــ مهندسة زراعية تدعوا إلى إعادة النظر في المفهوم السائد تجاه المسكيت بدلا من الإكتفاء بسياسات الإزالة.