آخر الأخبار

الخريف وتداعياته (3-5)من ينقذ مشروع الدامر قبل فوات الأوان؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

د. مزمل سليمان حمد

 

*في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعيشها البلاد، تبرز بعض المخاطر بصمتٍ مقلق، لا لأنها خفية، بل لأن التعامل معها يتم دائماً بروح التأجيل حتى تتحول إلى كوارث مكتملة. ما يواجهه مشروع الدامر اليوم ليس مجرد تحدٍّ موسمي مرتبط بالخريف، بل إنذار مبكر بكارثة محتملة قد تضرب في عمق الأمن الغذائي لولاية نهر النيل، وربما تتجاوز آثارها ذلك إلى نطاق أوسع.

*لقد تجاوز مشروع الدامر كونه مشروعاً زراعياً تقليدياً، ليصبح أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. فهو يغذي الأسواق بمحاصيل أساسية مثل القمح والخضروات، ويوفر سبل العيش لآلاف الأسر، ويساهم بشكل مباشر في كبح جماح الأسعار في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد. ومع تعطل الإنتاج في مناطق واسعة بسبب الحرب، اكتسب هذا المشروع أهمية مضاعفة، حتى بات يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي في الولاية .

*غير أن هذا الدور الحيوي يقف اليوم على حافة خطر حقيقي، يتمثل في هشاشة البنية التحتية التي يعتمد عليها، وعلى رأسها طلمبات الري القائمة في منطقة الحديبة. هذه الطلمبات، التي تمثل القلب النابض للمشروع، تعمل في موقع مكشوف على ضفة النيل، دون تحصينات كافية تقيها تقلبات المياه أو ارتفاع المناسيب. وهي بذلك عرضة مباشرة لأي فيضان مفاجئ، قد يحولها في لحظة إلى خسارة جسيمة يصعب تعويضها.

*إن التغيرات التي طرأت على سلوك النيل في السنوات الأخيرة لم تعد خافية على أحد، خاصة مع تأثيرات تشغيل سد النهضة وما يصاحبه من تذبذب في التدفقات المائية. هذه المعطيات تفرض واقعاً جديداً يتطلب استعداداً استثنائياً، لا سيما في مواسم الخريف التي تحمل في طياتها احتمالات فيضانية أعلى من المعتاد.

*ولعل ما حدث في الموسم الماضي يمثل درساً بليغاً. فقد تعرضت أجزاء من منشآت المشروع لانهيارات جزئية، كادت أن تؤدي إلى فقدان الطلمبات بالكامل، لولا تدخلات عاجلة وجهود كبيرة بذلت لإنقاذ الموقف. غير أن تلك المعالجات، رغم أهميتها، ظلت في إطار الحلول الإسعافية، ولم تُترجم إلى إجراءات جذرية تضمن عدم تكرار الأزمة.

*اليوم، تبدو الصورة أكثر هشاشة. فقد عادت الطلمبات إلى العمل، لكنها عادت أيضاً إلى ذات الموقع المهدد، وكأن الخطر الذي كاد أن يقع لم يكن كافياً لإعادة النظر في واقعها. إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة أن المشروع بأكمله معلق على احتمال واحد: ارتفاع مفاجئ في منسوب النيل، قد يؤدي إلى غرق الطلمبات وتوقف عمليات الري بالكامل، ومن ثم انهيار الدورة الزراعية بكل ما تحمله من تبعات اقتصادية واجتماعية.

*إن القضية هنا لا تتعلق بمعدات أو منشآت فحسب، بل بمفهوم أوسع هو الأمن الغذائي، الذي لا يمكن تحقيقه دون بنية تحتية آمنة ومستقرة. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع هذا الخطر يجب أن يتم بروح المسؤولية الوطنية، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو البطء الإداري.

*المطلوب اليوم تحرك عاجل وفعّال، يبدأ بإعادة تقييم موقع الطلمبات، والعمل على ترحيلها إلى منطقة أكثر أماناً، حتى وإن كان ذلك حلاً مؤقتاً. كما ينبغي الشروع في دراسات جادة لإنشاء بدائل استراتيجية لمصادر الري، تضمن استقرار الإمداد المائي بعيداً عن تقلبات النيل ومخاطره.

*ولا يقل دور الحكومة أهمية عن دور الجهات المشغلة، إذ تقع عليها مسؤولية توفير الدعم المالي والفني اللازم لتنفيذ هذه الإجراءات، باعتبار أن ما هو على المحك ليس مشروعاً محلياً فحسب، بل استقرار مجتمع بأكمله.

*إن الخريف قد بدأ بالفعل، ومعه بدأ العد التنازلي لاختبار حقيقي لقدرتنا على الاستجابة المبكرة. فإما أن نتحرك اليوم لحماية ما يمكن حمايته، أو ننتظر حتى تقع الكارثة لننخرط في دوامة الأسف التي لا تعيد حقلاً غمرته المياه، ولا موسماً ضاع هدراً

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: ماذا حدث؟ بل: لماذا لم نفعل ما كان يجب فعله في الوقت المناسب؟.