
وساوس إبليس بين الجيش والشعب السوداني..حكاية المنشقين (القبة) و(السافانا)
عمرو خان
*تتسلل في أروقة العالم الافتراضي نفوس شريرة، تهمس بحديث الفتنة بين الجيش السوداني وشعبه، مستغلة واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا: استقبال المنشقين من صفوف ميليشيا الدعم السريع.. بدأت هذه الهمسات مع إعلان انشقاق بعض القيادات، مثل (النور القبة) و(السافانا)، ولم يكن الهدف من هذا الجدل البريء في ظاهره إلا كسر جدار الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، وإضعاف ذلك الدعم الشعبي الذي كان، ولا يزال، أحد أبرز أسباب صمود القوات المسلحة وتقدمها في معركتها ضد التمرد.
*لكن، ماذا كانت تقول هذه الهمسات؟ وكيف حاولت أن تتسلل إلى وعي البسطاء من أبناء الشعب السوداني؟
لم يكن المنشقون، ومن بينهم (القبة) و(السافانا)، أفرادًا معزولين كما قد يتبادر إلى الذهن، بل جاءت انشقاقاتهم مصحوبة بقوات تتبع لهم، وهو أمر طبيعي في سياق النزاعات المسلحة التي تقوم على الولاءات والتكوينات شبه المستقلة.. وعندما تم الإعلان عن استسلامهم ورغبتهم في الانضمام إلى صفوف الجيش السوداني، كانوا قد وصلوا بالفعل إلى العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان.. وهنا تبدأ القصة التي لم تُروَ كاملة.
*فهؤلاء القادمون الجدد، بحكم واقعهم، ليسوا جزءًا أصيلًا من الجيش النظامي، ولا ينتمون جغرافيًا إلى الولاية التي وصلوا إليها، ما يعني بالضرورة عدم توفر بنية جاهزة لاستيعابهم من حيث الإقامة أو التنظيم. ولذلك، كان لا بد من تدبير أماكن إقامة مؤقتة لهم، كإجراء طبيعي في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
*لكن هذه اللحظة، تحديدًا، كانت المدخل الذي وجدت فيه الشائعات ثغرتها.
*هنا، بدأ (إبليس) ــ مجازًا ــ في النفخ في أذن الرأي العام، مخاطبًا مشاعر الألم والغضب المتراكمة لدى المواطنين، قائلًا: أيها الشعب السوداني العظيم، الذي قدم الغالي والنفيس من أجل كرامة وطنه، أليس هؤلاء الذين ترونهم اليوم هم أنفسهم من تورطوا في القتل والنهب والانتهاكات؟ كيف تقبلون عودتهم بهذه السهولة؟.
*كانت هذه الرسالة، في ظاهرها، تعبيرًا عن غضب مشروع، لكنها في جوهرها محاولة مدروسة لإشعال فتيل الشك، وتحويل مسار النقاش من سؤال كيف نُنهي الحرب؟ إلى هل نثق في من يعود؟.. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
*فالحروب لا تُحسم فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في معركة الوعي. والرهان على تفكيك الثقة بين الجيش وشعبه يُعد أحد أخطر الأسلحة غير التقليدية التي تُستخدم لإطالة أمد الصراع.
*ما لا يعلمه كثيرون أن استيعاب المنشقين ليس قرارًا عاطفيًا أو ارتجاليًا، بل هو جزء من تكتيك عسكري وسياسي معروف، يهدف إلى تفكيك بنية الخصم من الداخل، وتقليل قدرته القتالية، وفتح الباب أمام مزيد من الانشقاقات. فكل مجموعة تنسحب من صفوف التمرد لا تمثل فقط إضافة للجيش، بل خسارة مباشرة للطرف الآخر.
*كما أن هذه العملية، في العادة، لا تتم دون إجراءات أمنية ورقابية، تهدف إلى فرز العناصر، وتقييم مدى تورطها في الانتهاكات، وضمان عدم تحولها إلى مصدر تهديد داخلي. غير أن هذه التفاصيل لا تجد طريقها بسهولة إلى الرأي العام، تاركة مساحة واسعة للتأويل والتشكيك.
*إن التحدي الحقيقي هنا لا يكمن في استقبال المنشقين بحد ذاته، بل في إدارة الرواية المصاحبة لهذه الخطوة. فحين تغيب المعلومة الدقيقة، تحضر الشائعة. وحين يتأخر التفسير، يتقدم التحريض.
*وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إدراك أن المعركة الدائرة ليست فقط بين جيش وميليشيا، بل أيضًا بين روايتين: رواية تسعى إلى تثبيت الثقة وتعزيز التماسك الوطني، وأخرى تعمل على تفكيكه من الداخل، عبر استدعاء الألم وتوجيهه في الاتجاه الخطأ.
*السؤال إذن لم يعد: لماذا يعود المنشقون؟ بل: كيف نحمي وعي المجتمع من أن يُستغل ضد مصلحته؟
ففي زمن الحرب، قد تكون الكلمة أخطر من الرصاصة، وقد تكون الشائعة، إن تُركت دون مواجهة، أداة هدم لا تقل فتكًا عن أي سلاح.
*كاتب صحفي مصري