من حافة الإقالة إلى بوابة المجد.. أرتيتا ينتزع لأرسنال مكانًا بين كبار أوروبا
محطات محبطة في مسيرة الجانرز.. هل يكمل أرتيتا الحلم؟
بين شك الأمس وحلم اليوم، يقف ميكيل أرتيتا على أعتاب التاريخ، تعادل آرسنال مع أتلتيكو مدريد في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا بنتيجة 1-1 لم يكن مجرد نتيجة رقمية تُسجَّل في سجلات البطولة، بل كان إعلانًا صريحًا بأن مشروع المدرب الإسباني تجاوز مرحلة البناء ليطرق باب المجد القاري.
في ملعب ميتروبوليتانو، حيث تسقط أحلام الكبار عادةً، كان آخرها إقصاء برشلونة من الدور السابق بالتشامبيونز ليج، خرج “الجانرز” حيا، وأبقى على حلم “النجمة الأولى” مشتعلًا.
قبل أعوام قليلة فقط، كانت صافرات الاستهجان تطارد أرتيتا في ملعب الإمارات، ومطالب الإقالة تتصدر عناوين الصحف، الخروج الأوروبي المتكرر، والمراكز المتأخرة محليًا، جعلت الكثيرين يرون في تعيينه مقامرة خاسرة.
لكن المدرب الإسباني اليوم يرد على كل المشككين بلغة واحدة: النتائج. من فريق هش ينهار تحت الضغط، إلى منظومة صلبة تقارع أتلتيكو سيميوني في معقله وتفرض شخصيتها، تبدّل كل شيء.
لم يتبقَّ سوى 90 دقيقة في لندن تفصل أرسنال عن أول نهائي لدوري الأبطال منذ عام 2006، وعن فرصة حقيقية لتتويج مسيرة جيل كامل باللقب الذي استعصى على النادي طوال تاريخه.
أرتيتا الذي بدأ رحلته مع المدفعجية في 2019، بات الآن أمام مفترق طرق، إما أن يُخلّد اسمه كصانع المجد الأول، أو يعود خطوة إلى الوراء.
بداية محبطة لم تغير بوصلة ثورة التغيير

لم تكن بداية ميكيل أرتيتا مع آرسنال مفروشة بالورود، حين استلم دفة القيادة في ديسمبر/ كانون الأول 2019، كان الفريق غارقًا في فوضى فنية وإدارية بعد رحيل أوناي إيمري.
مدرب شاب بلا أي خبرة تدريبية سابقة كمدرب أول، وُضع في مواجهة إرث فينجر الثقيل وتوقعات جماهير أنهكها الانتظار؛ الانتصار بكأس الاتحاد الإنجليزي صيف 2020 منح الجميع بصيص أمل، لكنه كان مجرد هدنة مؤقتة قبل العاصفة.
سرعان ما انقلب المشهد، ففي موسم 2020-2021 شهد انهيارًا غير مسبوق بعد أن احتل الجانرز المركز الثامن في الدوري الإنجليزي الممتاز للعام الثاني تواليًا، والخروج المذل من نصف نهائي الدوري الأوروبي أمام فياريال.
أصبح آرسنال خارج المنافسات الأوروبية، وقتها تحوّل ملعب الإمارات إلى ساحة غضب؛ لافتات “Arteta Out” اجتاحت مواقع التواصل، والصحافة الإنجليزية وصفته بـ”مساعد جوارديولا الذي لا يصلح للقيادة”، بينما اعتبره كثيرون نسخة مكررة من مشاريع فاشلة سابقة.
بلغ التشكيك ذروته في أغسطس/ آب 2021، حين بدأ آرسنال الموسم بثلاث هزائم متتالية، وتلقى 9 أهداف دون أن يسجل، لأول مرة في تاريخه، تذيل النادي اللندني جدول الدوري بعد 3 جولات.
وتحدث الإعلام الإنجليزي وقتها عن “أزمة وجودية”، والمطالبات بإقالته وصلت إلى طاولة الملاك، في تلك اللحظة، بدا أن مشروع أرتيتا وُلد ميتًا، وأن مقصلة الإقالة أقرب من أي بوابة للمجد.
أرتيتا ينجح في انتشال آرسنال من الضياع
جاءت نقطة التحول حين قررت إدارة آرسنال أن تسبح عكس التيار، ففي ذروة الغضب الجماهيري والإعلامي صيف 2021، وبعد بداية كارثية بثلاث هزائم متتالية، منحت الإدارة أرتيتا شيئًا نادرًا في كرة القدم الحديثة: الوقت والثقة.
وبدلًا من الإقالة، ضخت النادي أكثر من 150 مليون جنيه إسترليني في الميركاتو لضم أسماء شابة تؤمن بفلسفة المدرب، تضم بن وايت، ومارتن أوديجارد، وتوالت الأسماء، حيث كانت رسالة واضحة أن المشروع مستمر، وأن “تفكيك القديم” ضروري لبناء الجديد.
وكان القرار الأصعب التخلص من الأسماء الكبيرة التي لا تخدم المنظومة، مثل أوباميانج الذي جُرّد من الشارة ورحل مجانًا، لاكازيت وأوزيل تبعاه، بينما رفض أرتيتا التنازل عن الانضباط مقابل النجومية.
وراهن المدرب الإسباني على جيل جديد بقيادة ساكا، مارتينيلي، سميث رو، ومنح شارة القيادة لأوديجارد الشاب، وشيئًا فشيئًا، بدأت الهوية تتضح؛ فريق شاب، شرس في الضغط، منضبط تكتيكيًا، ولا يهاب أحدًا.
وخلال منافسات موسم 2022-2023، كان البرهان الأول لكتيبة أرتيتا، حين تصدر آرسنال الدوري الإنجليزي الممتاز لمدة 248 يومًا، ونافس مانشستر سيتي حتى الرمق الأخير.
ولكن التحول الحقيقي اكتمل هذا الموسم، حيث إن التعاقد مع ديكلان رايس ودافيد رايا منح الفريق العمود الفقري الذي كان ينقصه، فتحوّل آرسنال إلى أفضل منظومة دفاعية في أوروبا.
ونُقل الجانرز من فريق كان يُوصف بـ”الهش ذهنيًا”، إلى فريق يخرج بتعادل من ميتروبوليتانو ويقف على بُعد خطوة من نهائي الأبطال
أرتيتا يكسر حاجز الخوف في ميتروبوليتانو

لسنوات طويلة، تحوّلت الأدوار الإقصائية في دوري أبطال أوروبا إلى كابوس يُطارد آرسنال، فمنذ الخسارة في نهائي 2006 أمام برشلونة، دخل “الجانرز” في دوامة من الخروج المبكر والمذل.
وبحسب إحصائيات موقع “يويفا”، ودع آرسنال البطولة 7 مرات متتالية بين 2011 و2017 من دور الـ16، غالبًا بنتائج ثقيلة أمام بايرن وبرشلونة وميلان.
وتحوّل الأمر إلى عقدة نفسية حقيقية، حتى أصبحت جماهير النادي تترقب الخروج قبل أن تبدأ المواجهة، وكأن قارة أوروبا لم تعد تتسع لآرسنال.
ولكن مع أرتيتا، بدأ كسر هذه العقدة خطوة بخطوة، حيث كان تأهل إلى ربع النهائي الموسم الماضي على حساب بورتو بركلات الترجيح إعلانًا أن هذا الجيل لا يحمل إرث الخوف القديم.
واليوم، بعد الوقوف ندًا لأتلتيكو مدريد في ميتروبوليتانو، والخروج بتعادل ثمين من ملعب اشتهر بتحطيم أحلام الزوار، يبدو أن آرسنال تجاوز الحاجز الذهني الأصعب.
لم يعد الفريق اللندني يخشى الضغط، ولا ينهار في اللحظات الحاسمة، هذه ليست صدفة، بل شخصية جديدة تُبنى على يد مدرب رفض أن يكون أسيرًا لماضي النادي.
هل يضع أرتيتا النجمة الأولى على قميص آرسنال؟
بعد 19 عامًا من ليلة باريس الحزينة عام 2006، يقف آرسنال أخيرًا على أعتاب الفرصة الأثمن في تاريخه الأوروبي، ملعب ويمبلي يحتضن نهائي دوري الأبطال هذا الموسم، وفي مفارقة قدرية، قد يكون الجانرز طرفًا فيه لأول مرة على أرض لندن.
أرتيتا، الذي حمل شارة القيادة كلاعب دون أن يلمس المجد القاري، يملك الآن فرصة لكتابة ما عجز عنه آرسين فينجر طوال 22 عامًا؛ وضع النجمة الأولى على قميص “الجانرز”، لذلك فإن الإياب على ملعب الإمارات ليس مجرد 90 دقيقة، بل هو موعد مع التاريخ.
النجمة الأولى لا تعني لقبًا فقط، بل تعني تغييرًا في هوية النادي كله، حيث ارتبط آرسنال لعقود بوصف “النادي الكبير الذي لا يفوز بأوروبا”؛ أجيال من هنري و فييرا إلى ساكا وأوديجارد، عاشت تحت ظل هذا النقص.
ويدرك أرتيتا أن التتويج بدوري الأبطال سينقل النادي من خانة “المنافس المحترم” إلى مصاف ريال مدريد وبايرن وليفربول، هو اللقب الذي يصنع الإرث، ويُحوّل المشروع من “ناجح” إلى “خالد”، لهذا تحديدًا، تبدو مباراة الإياب أمام أتلتيكو أكبر من نصف نهائي