آخر الأخبار

عدوان المسيرات واختبار الإرادة

شيء للوطن

م. صلاح غريبة

 

 

*لم يعد الصراع في السودان مجرد حرب داخلية تسعى لإخماد تمرد عسكري، بل تحول، وفقاً للمعطيات الأخيرة والأدلة الدامغة التي كشفت عنها الحكومة السودانية، إلى معركة وجودية ضد أطراف إقليمية قررت التخلي عن مقتضيات الجوار وأعراف القانون الدولي، تنخرط في عدوان مباشر استهدف قلب العاصمة ورمز سيادتها الجوية: مطار الخرطوم الدولي.

*إن كشف الخرطوم عن تورط دولتين اقليميتين في قصف منشأة مدنية حيوية عبر طائرات مسيرة انطلقت من قواعد مجاورة، يمثل تحولاً جذرياً في مسار الأزمة. . نحن أمام إعلان عدوان صريح لا يقبل التأويل، حيث لم يعد الدعم المالي أو اللوجستي للمليشيات المتمردة هو التهمة الوحيدة، بل انتقل الأمر إلى التدخل العسكري المباشر عبر الأجواء، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني عسير.

*ما قدمته السلطات العسكرية والسياسية في الخرطوم من بيانات فنية حول الطائرة المسيرة (S88) -التي أثبتت سجلات التصنيع ملكيتها لدولة خليجية وانطلاقها من مطار (بحر دار) الجاري في دولة مجاورة- يقطع الطريق أمام أي محاولات للنفي الدبلوماسي. إن تتبع مسارات هذه المسيرات منذ مطلع مارس، ورصد اختراقها للأجواء السودانية وصولاً إلى استهداف مدنيين ومنشآت حيوية في النيل الأزرق وكردفان وأخيراً مطار الخرطوم، يعكس إصراراً غريباً على تقويض الدولة السودانية في وقت كانت تشهد فيه البلاد حراكاً للعودة الطوعية واستعادة الاستقرار.

*استهداف مطار الخرطوم، وهو منشأة مدنية محمية بموجب المواثيق الدولية، يهدف بالأساس إلى خنق الأمل السوداني. إن عودة الحياة للمطار وتعافي الخرطوم تدريجياً مثّل، كما يبدو، استفزازاً للقوى التي تراهن على تفكيك الدولة. ولكن الرد السوداني لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان إدارياً ومعنوياً بإعلان استئناف العمل في المطار فوراً، في رسالة مفادها أن عجلة الحياة لن تتوقف بقرار من الخارج.

*حين يتحدث السودان عن حق الرد في الزمان والمكان اللذين يحددهما، فإنه يمارس حقه الشرعي في الدفاع عن النفس وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.. استدعاء السفير للتشاور وتصعيد الملف إلى مجلس الأمن هما خطوتان في مسار دبلوماسي طويل، لكنهما مدعومين بجاهزية عسكرية وتلاحم شعبي غير مسبوق.

، إن الرسالة التي وجهتها الخرطوم كانت مزدوجة فالرسالة للدول المتورطة: بأن طريق العدوان لن يؤدي إلا للندم، وأن الرهان على المليشيات المتمردة هو رهان خاسر بعد أن تم دحرها ميدانياً، والرسالة للشعوب الجارة: خاصة الشعب الإثيوبي، مفادها أن السودان يميز جيداً بين الشعوب وبين القرارات السياسية المتهورة للحكومات، محذراً من الانزلاق في خدمة أجندات استعمارية جديدة تهدف لتمزيق القارة الأفريقية.

*من المستهجن حقاً أن يظل الضمير العالمي صامتاً تجاه عدوان سافر بمسيرات عابرة للحدود تستهدف منشآت مدنية. إن قضية “المرتزقة” والدعم العسكري الخارجي للمليشيات لم تعد شأناً سودانياً داخلياً، بل أصبحت مهدداً للأمن والسلم الإقليميين.

ختاماً، يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي يثبت فيه أن السيادة الوطنية ليست محل مساومة. إن الوضوح الذي تتحدث به الدولة السودانية اليوم، والتوثيق الدقيق للانتهاكات، يضع المعتدين في زاوية ضيقة أمام الرأي العام العالمي. لقد اختارت الخرطوم لغة الحق والقانون، لكنها في الوقت ذاته أبقت أصابعها على الزناد، مؤكدة أن من يزرع الريح في السودان، لن يحصد سوى العاصفة.