آخر الأخبار

 حين تتحول الجغرافيا إلى ساحة عدوان

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

 دكتور مزمل سليمان حمد

 

 

*ليست العلاقات السودانية الإثيوبية وليدة لحظة سياسية عابرة، ولا يمكن اختزالها في توتر حدودي أو خلاف دبلوماسي طارئ. إنها علاقة ممتدة في عمق التاريخ، متشابكة في الجغرافيا، ومترابطة في النسيج الإنساني والاقتصادي. لكن ما نشهده اليوم يمثل انحرافاً خطيراً عن هذا المسار، وانتقالاً من التعايش إلى التهديد المباشر لسيادة الدولة السودانية.

*يمتد الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا لمسافة تقارب 744 كيلومتراً، وهو من أكثر الحدود الأفريقية حيوية وتعقيداً. هذه الحدود لم تكن يوماً خطوط فصل صارمة، بل كانت مناطق تداخل وتفاعل، حيث تعايشت القبائل وتبادلت المنافع، وتشكلت علاقات مصاهرة ومصالح مشتركة عبر أجيال متعاقبة. في هذه المساحات، لم تكن الدولة وحدها هي الفاعل، بل المجتمع أيضاً كان شريكاً في بناء علاقة (الجوار الحي) .

*ومن أبرز تجليات هذا التداخل، منطقة الفشقة السودانية، التي تمثل نموذجاً فريداً في العلاقات بين البلدين. فهي أرض سودانية خالصة من حيث السيادة القانونية، لكنها ظلت لعقود مفتوحة للمزارعين الإثيوبيين، الذين سمح لهم السودان بالاستفادة منها في إطار من حسن النية والتسامح السياسي والاجتماعي. لم يكن ذلك ضعفاً، بل تعبيراً عن رؤية سودانية تاريخية قائمة على التعايش وتغليب المصالح المشتركة على النزاعات.

*غير أن هذه الروح قوبلت – في مراحل متعددة – بتعديات متكررة، وصلت حد التمركز العسكري والاعتداء على الأراضي السودانية. ومع ذلك، ظل السودان يمارس قدراً كبيراً من ضبط النفس، مراعاة لتعقيدات الإقليم، وحرصاً على استقرار العلاقة الثنائية.

اقتصادياً، شكل السودان وإثيوبيا شريانين متكاملين في الإقليم. فالسودان يمثل بوابة إثيوبيا إلى البحر، بينما تمثل إثيوبيا سوقاً ضخماً للمنتجات السودانية، فضلاً عن التبادل في الثروة الحيوانية، والسلع الزراعية، وحركة التجارة الحدودية غير الرسمية التي تغذي آلاف الأسر. هذا الترابط الاقتصادي كان يمكن أن يكون أساساً لشراكة استراتيجية، لولا تغليب الحسابات السياسية الضيقة.

*لكن التطور الأخطر الذي لا يمكن القفز فوقه، هو ما أعلنته السلطات السودانية من أدلة قاطعة على إنطلاق طائرات مسيّرة من مطار (بحر دار) داخل الأراضي الإثيوبية، استهدفت مواطنين سودانيين ومنشآت مدنية في ولايات النيل الأزرق، النيل الأبيض، وشمال وجنوب كردفان والخرطوم. هذه ليست مجرد حادثة عسكرية، بل تمثل – بالأدلة المقدمة – خرقاً صارخاً للقانون الدولي، وتجاوزاً لكل أعراف حسن الجوار.

*إن استخدام أراضي دولة لشن هجمات على دولة أخرى، أو السماح بذلك، يضع هذه الدولة في دائرة المسؤولية القانونية الدولية، سواء بالمشاركة المباشرة أو بالتواطؤ أو بالإهمال الجسيم. وإذا اقترن ذلك باستهداف منشآت مدنية – كالكهرباء والمياه والبنية التحتية – فإن الفعل يرتقي إلى مستوى جرائم الحرب وفقاً لاتفاقيات جنيف.

* إن إثبات تورط الإمارات في هذه العمليات، يؤكد وجود تنسيق يتجاوز الفعل المحلي إلى شبكات إقليمية معقدة. وهذا يحول القضية من نزاع ثنائي إلى ملف دولي يستوجب التحرك في أعلى المستويات. ومحاسبة إثيوبيا والإمارات على ذلك.

*إن استدعاء السفير السوداني من إثيوبيا خطوة دبلوماسية مهمة، لكنها لا ترقى إلى مستوى التحدي الراهن. في الوقت فيه لم يتخذ أي موقف تجاه الإمارات الممول لهذه الحرب والحاضنة السياسية والاقتصادية للمليشيا المتمردة الإرهابية.  إن المرحلة الحالية تتطلب انتقالاً من رد الفعل إلى إدارة الصراع بمنهج شامل ومتكامل.

*أولاً، على المستوى القانوني، يجب على السودان المضي فوراً في تدويل القضية عبر مجلس الأمن، والإتحاد الأفريقي، ومحكمة العدل الدولية، مستنداً إلى الأدلة التي أعلن عنها، مع إعداد ملف قانوني محكم يثبت المسؤوليات بدقة.

*ثانياً، على المستوى الدبلوماسي، ينبغي بناء تحالفات إقليمية ودولية داعمة، وعدم الاكتفاء بالمواقف الثنائية. فالقضية تمس مبدأ سيادة الدول، وهو مبدأ يحظى بحساسية عالية في النظام الدولي.

*ثالثاً، على المستوى الإعلامي، يجب الانتقال من الخطاب التعبوي إلى الخطاب التوثيقي المهني، القائم على عرض الأدلة، وشرح الأبعاد القانونية، وكسب الرأي العام الدولي، لا المحلي فقط.

*رابعاً، على المستوى العسكري، مع الحفاظ على ضبط النفس الاستراتيجي، يجب تعزيز منظومات الدفاع الجوي، وتأمين المنشآت الحيوية، وإرسال رسائل ردع واضحة بأن السيادة السودانية ليست مستباحة.

*خامساً، على المستوى الاقتصادي، مراجعة العلاقات التجارية والاستثمارية مع الأطراف المتورطة، واستخدام أدوات الضغط الاقتصادي كجزء من منظومة الرد.

*إن ما يحدث اليوم ليس مجرد توتر حدودي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة السودانية على حماية سيادتها، وإدارة علاقاتها الخارجية في بيئة إقليمية مضطربة. والتاريخ يعلمنا أن الدول التي لا تحسن قراءة لحظات التحول، تدفع أثماناً باهظة.

*السودان لم يكن يوماً دولة عدوان، لكنه أيضاً لم يكن – ولن يكون – ساحة مفتوحة للانتهاك. وبين حكمة التعايش وضرورة الردع، يجب أن تُرسم ملامح المرحلة القادمة.

*والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تعود العلاقات السودانية الإثيوبية إلى مسارها الطبيعي القائم على الاحترام المتبادل، أم أننا أمام لحظة إعادة تعريف كاملة لهذه العلاقة؟

الإجابة لن تكون بالتصريحات، بل بالفعل… وللحديث بقية بإذن الله تعالى.