
القوات المسلحة السودانية ومعادلة البقاء.. قراءة في حرب السنوات الثلاث
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
*منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، لم يكن السودان يواجه مجرد تمرد مسلح بالمعنى التقليدي، بل وجد نفسه داخل واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة؛ حرب تجاوزت حدود الاشتباك العسكري المباشر لتتحول إلى صراع مركب تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية. ولذلك فإن قراءة تجربة القوات المسلحة السودانية خلال هذه السنوات لا ينبغي أن تُختزل فقط في مسألة التقدم الميداني أو استعادة المدن، وإنما في كيفية إدارة الدولة نفسها لمعركة البقاء وسط ظروف كانت كفيلة بإسقاط دول ومؤسسات أكثر استقرارًا.
*لقد واجهت القوات المسلحة منذ الأيام الأولى للحرب تحديًا غير مسبوق، تمثل في طبيعة المعركة ذاتها.. فالقتال داخل العاصمة والحواضر الكبرى فرض واقعًا مختلفًا عن الحروب التقليدية التي تعتمد على خطوط تماس واضحة وجبهات منفصلة. إذ تحولت المدن إلى ساحات اشتباك مفتوحة، واختلط فيها العسكري بالمدني، والبنية العسكرية بالبنية الخدمية، الأمر الذي جعل أي قرار ميداني محكومًا بحسابات معقدة تتعلق بالخسائر البشرية، وحماية مؤسسات الدولة، والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك المجتمع.
*وفي خضم هذه الفوضى، كان الرهان الأكبر لكثير من المراقبين يقوم على فرضية انهيار الدولة السودانية بصورة سريعة، خاصة في ظل التحديات المتزامنة التي أحاطت بالمشهد؛ حصار اقتصادي خانق، ضغوط سياسية وإعلامية، تراجع الخدمات، نزوح ملايين المواطنين، وتعدد مراكز التأثير الإقليمي والدولي. كما أن طبيعة الدعم الذي حظيت به قوات الدعم السريع، سواء على مستوى الإمداد أو الحركة أو العلاقات العابرة للحدود، جعلت الحرب تبدو وكأنها تتجاوز قدرة أي مؤسسة عسكرية وطنية على الصمود طويلًا
*غير أن ما حدث لاحقًا كشف عن جانب مهم في طبيعة الدولة السودانية ومؤسساتها العسكرية. فالقوات المسلحة لم تتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة تكتيكية قصيرة، بل انتقلت تدريجيًا إلى إدارة صراع طويل النفس يعتمد على الاستنزاف وإعادة بناء التوازنات الميدانية. وقد بدا واضحًا أن المؤسسة العسكرية اختارت منذ المراحل الأولى الحفاظ على تماسك الدولة ومنع الانهيار الشامل حتى وإن كان ذلك على حساب البطء في الحسم العسكري.
*وهنا تبرز واحدة من أهم النقاط الإستراتيجية في الحرب؛ فالجيوش لا تُقاس فقط بسرعة الهجوم، وإنما بقدرتها على الاستمرار تحت الضغط. والتاريخ العسكري مليء بجيوش امتلكت تفوقًا ناريًا أو تقنيًا لكنها انهارت نفسيًا ومؤسساتيًا أمام الصدمات الكبرى. أما في الحالة السودانية، فإن المؤسسة العسكرية استطاعت، رغم كل الضغوط، أن تحافظ على تسلسلها القيادي، وأن تمنع حدوث انهيارات واسعة داخل بنيتها التنظيمية، وهو ما شكّل نقطة تحول أساسية في مسار الحرب.
*كذلك فإن الحرب كشفت أهمية المؤسسة العسكرية بوصفها العمود الفقري للدولة السودانية. ففي اللحظات التي تعرضت فيها مؤسسات مدنية عديدة للشلل أو الانهيار، بقي الجيش يمثل مركز الثقل الأساسي الذي استندت إليه الدولة في الحفاظ على وجودها واستمرارها. وهذه ليست مسألة عسكرية فقط، بل مسألة مرتبطة بطبيعة تكوين الدولة السودانية نفسها، حيث ظل الجيش، عبر مراحل تاريخية مختلفة، أحد أهم مؤسسات التماسك الوطني مهما تعددت الخلافات السياسية حول دوره.
*ومن الناحية العملياتية، أظهرت الحرب قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات.. فالقوات المسلحة واجهت نمطًا من القتال يعتمد على الانتشار داخل الأحياء المدنية، والحركة السريعة، والاستفادة من الفوضى الحضرية، وهو ما يُعرف في الدراسات العسكرية الحديثة بحروب المدن المعقدة. وهذه الحروب تُعد من أكثر أنماط الصراع استنزافًا للجيوش النظامية، لأنها تضعها أمام معادلة شديدة الحساسية بين الحسم العسكري وتقليل الخسائر المدنية.
*وفي المقابل، فإن العامل الإقليمي ظل حاضرًا بقوة طوال سنوات الحرب. فقد وجدت بعض القوى الإقليمية في الأزمة السودانية فرصة لإعادة ترتيب النفوذ أو حماية مصالحها الإستراتيجية، بينما تعاملت قوى أخرى مع الحرب بوصفها تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة بأسرها. ولهذا تحولت السودان إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات متعددة؛ من أمن البحر الأحمر، إلى التنافس الجيوسياسي في القرن الإفريقي، إلى الصراعات المرتبطة بالموارد والنفوذ.
*لكن التحولات الميدانية الأخيرة والانشقاقات داخل التمرد بدأت تفرض واقعًا جديدًا على الإقليم. فالدول التي بنت رهاناتها على استمرار حالة الفوضى أو ضعف الدولة السودانية أصبحت مضطرة لإعادة حساباتها، لأن بقاء السودان موحدًا ومتماسكًا يعيد تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة كلها. كما أن صمود المؤسسة العسكرية لفترة طويلة رغم الضغوط أرسل رسالة واضحة بأن الدولة السودانية ليست كيانًا هشًا يمكن إسقاطه بسهولة عبر الحرب الممتدة أو الاستنزاف الطويل.
*ومن زاوية أعمق، فإن ما جرى خلال هذه الحرب أعاد طرح سؤال الدولة الوطنية في إفريقيا والشرق الأوسط. فالكثير من النزاعات الحديثة لم تعد تستهدف الجيوش فقط، بل تستهدف فكرة الدولة نفسها؛ تفكيك مؤسساتها، إنهاك اقتصادها، وضرب ثقة المجتمع في قدرتها على البقاء. ولذلك فإن قدرة السودان على الحفاظ على الحد الأدنى من تماسكه المؤسسي رغم هذا الحجم من الحرب تمثل في حد ذاتها تحولًا إستراتيجيًا مهمًا
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كسب المعركة العسكرية، بل في إدارة ما بعدها. فالحروب الطويلة تترك ندوبًا عميقة داخل المجتمعات، وتخلق أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية معقدة.. ولذلك فإن أي مرحلة قادمة تحتاج إلى مشروع وطني واسع يعيد بناء الدولة على أسس أكثر استقرارًا وعدالة، ويمنع تكرار ظاهرة التشكيلات المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية.
*وفي النهاية، يمكن القول إن تجربة القوات المسلحة السودانية خلال حرب السنوات الثلاث ستظل محل دراسة لسنوات طويلة، ليس فقط بسبب طبيعة الحرب نفسها، وإنما بسبب الطريقة التي أُدير بها الصراع وسط بيئة شديدة التعقيد.. فقد كانت معركة تتجاوز حدود السلاح إلى معركة وجود دولة كاملة، وفي مثل هذه الحروب يصبح البقاء نفسه إنجازًا إستراتيجيًا يعيد تشكيل مستقبل البلاد والإقليم معًا.