من موت المؤلف إلى موت القارئ.. عن القراءة بوصفها فعل مقاومة
نورة موافقي – الجزائر:
حين أعلن رولان بارث في ستينيات القرن الماضي (موت المؤلف)، لم يكن يرمي إلى تغييب الكاتب مادياً بقدر ما كان يسعى لتحرير النص من سلطة (الأبوية) التفسيرية.. كان ذلك الإعلان بمثابة تدشين لعصر (ميلاد القارئ)، ذلك الشريك الجوهري الذي يمنح النص حياته الثانية عبر التأويل وإعادة تشكيل الدلالة. وفق هذا التصور، صار النص فضاءً مفتوحاً لا يكتمل إلا بعين تقرأ، وعقل يفكك الشفرات، وذائقة تعيد بناء المعنى.
بيد أننا اليوم، وفي ظل الانفجار الرقمي، نجد أنفسنا أمام مفارقة مقلقة تفرضها التحولات الثقافية المعاصرة: نحن ننتقل من (موت المؤلف) إلى ما يمكن تسميته بـ (موت القارئ). فالقارئ الذي راهن عليه النقد الحديث كمركز للفعل التأويلي، بدأ يتوارى خلف شاشات الاستهلاك السريع، وتراجعت علاقته بالنص العميق لصالح نصوص عابرة، خاطفة، لا تتطلب جهداً ولا تصبر على التأمل.
إن ما نعيشه اليوم هو تجلٍّ حاد لما أسماه زيجمونت باومان بـ (الحداثة السائلة)، حيث كل شيء قابل للاستهلاك السريع والتخلص الفوري. لم يعد العزوف مقتصرًا على الكتاب الورقي فحسب، بل طال فعل القراءة بوصفه ممارسة معرفية تراكمية.. لقد أسهمت الثقافة الرقمية، paradoxically، في إضعاف (الصبر القرائي)؛ إذ استبدلت التراكم المعرفي بالتلقي المجتزأ، وحوّلت القارئ من منتج للمعنى (Producer)
إلى مستهلك للانطباع (Consumer)، يكتفي بـ (اللقطة) المعرفية بدلاً من (المسار) الفكري.
هذا التحول يضعنا أمام تحدٍّ بيولوجي ومعرفي تشير إليه الباحثة ماريان وولف؛ إذ إن دماغنا القرائي يتغير بفعل الوسائط الرقمية، مما يهدد قدرتنا على (القراءة العميقة)(Deep Reading) التي تتطلب التفكير النقدي والتعاطف والتأمل.. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في موت الورق، بل في تراجع (القراءة الرأسية) التي تنفذ إلى باطن الدلالة، لصالح (القراءة الأفقية) السطحية التي تكتفي بمسح الكلمات بصرياً دون تمثلها وجدانياً
هنا يطرح السؤال نفسه بحدة: هل نحن أمام نهاية فعل القراءة؟
الجواب ليس بالقتامة المطلقة؛ فالقراءة لا تموت، لكنها تتحور. الرهان اليوم ليس على استعادة سلطة المؤلف، بل على (إنقاذ القارئ) وإعادة تكوين ذائقته. إننا بحاجة إلى استعادة القراءة بوصفها (فعل مقاومة)؛ مقاومة لسرعة العصر، ومقاومة لخوارزميات التلقي التي تفرض علينا ما نقرأ وكيف نفكر.
إن القراءة الحقيقية هي فعل (بطء) متعمد في عالم يتسارع بجنون. هي فعل مقاوم يرفض (اللقمة المعرفية) السائغة، ويصر على حق القارئ في مواجهة النص، واختبار توتراته، وصناعة معناه الخاص بعيداً عن ضجيج الانطباعات الجاهزة. فالنص، مهما بلغ من التحرر، يظل جسداً هامداً بلا روح، إن لم يجد ذلك (القارئ الحي) الذي يمنحه الحياة عبر جمرة التأويل.