جمال حسن سعيد: الشاعر الذي خرج من عباءة المسرح
بعين مفتوحة
د. خالد البلولة
3 – 4
(1) رابعا: قصيدة أظنك عرفتي: تحول في التجربة الشعرية: كشفت تجربة جمال حسن سعيد عن تطور لافت
ومتواصل؛ إذ لم يتوقف حضوره عند حدود الكوميديا والمسرح، بل امتد إلى فضاء الشعر الغنائي، حيث
استطاع أن يقدم نصوصاً ذات حساسية وجدانية عالية، وجدت طريقها إلى أصوات كبار الفنانين السودانيين،
ومن أبرزها أغنية «أظنك عرفتي» التي تغنى بها الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد. مثّلت هذه القصيدة
إحدى المحطات المهمة في التجربة الشعرية والغنائية لجمال حسن سعيد،إذ ارتبطت بصوت مصطفى سيد
(2)

أحمد،وهو من الاصوات الغنائية المتميزة في مسيرة الغناء السوداني،و قام بأدائها وتسجيلها خلال فترة
الثمانينيات، عقب لقاء فني جمعه بالشاعر أثناء تقديم مسرحية «إمبراطورية الجداد» للشاعر والمخرج قاسم
أبو زيد، وكان مصطفى مؤلفاً موسيقياً للمسرحية.وتكشف الأغنية عن شاعر يمتلك لغة شفيفة ومحمّلة
بالشجن، قادرة على التعبير عن قلق العاطفة وأوجاع الرحيل:
أظنك عرفتي عواصفك مهبي
أبارِي في خيالك يسوقني ويودي
ونهرك يعدي ويجهل مصبي
هواجسي البتزرع وظني البربي
بديتك خواطر بتصحى وتساور
وطيفك يزاور وروحك تحاور
تجيبني في زمانك موشّح أساور
أقول بس نسيتك وجرحك يتاور
حملت قصيدة «أظنك عرفتي» اسم الديوان الشعري الذي أصدره الشاعر جمال حسن سعيد عبر شركة
قاف للإنتاج الفني التي يملكها البروفيسور اليسع حسن أحمد، زميل دراسة الشاعر في المعهد العالي
للموسيقى والمسرح. ويعكس هذا الإصدار عمق التداخل بين التجارب الإبداعية التي تشكلت داخل هذه
المؤسسة، والتي أسهمت في صياغة جانب مهم من الوعي الفني والثقافي في السودان الحديث، حيث تلاقت
تجارب الشعر والمسرح والموسيقى والإنتاج الفني في فضاء معرفي واحد. وفي المقاطع التالية تبلغ القصيدة
ذروة الشفافية العاطفية، حيث يفتتح النص بصورة شديدة الحميمية
لقيتك خواطر بتصحى وتساور
وطيفك يزاور.. وروحك تحاور
فالمرأة هنا لا تحضر حضوراً مادياً مباشراً، وإنما تتجسد في هيئة خواطر وطيف، أي في مستوى الوعي
الباطني والذاكرة. ويمنح هذا التحول الأفعال (تصحى، تساور، يزاور، تحاور) حركة داخلية مستمرة، وكأن
الحبيبة أصبحت حالة ذهنية تسكن الشاعر وتطارده في آن واحد. ثم يقول :تجيبني في زمانك موشّح أساور
هنا ينتقل النص من المجرد إلى الصورة الحسية؛ فالأساور توحي بالزينة والأنوثة والاحتفال، وقد تحمل في
الوقت ذاته دلالة القيد والارتباط. وكأن الحبيبة تستدعيه إلى زمنها الخاص، الزمن المشبع بالإغواء والذاكرة
والجمال، ليغدو الزمن نفسه فضاءً شعرياً لا مجرد إطار للأحداث. ويبلغ التوتر العاطفي ذروته في قوله:
أقول بس نسيتك وجرحك يتاور
فالنسيان هنا ليس فعلاً مكتمل التحقق، بل محاولة متكررة للفصل بين الذات والتجربة، سرعان ما تفشل أمام
تجدد الألم. وكلمة «يتاور» في العامية السودانية تشير إلى الاشتعال أو التهيج المفاجئ، ما يجعل الجرح
كياناً حياً قابلاً للاستفاقة والانفجار. ولا يتوقف النص عند حدود الغنائية العاطفية، بل ينفتح على تأمل أعمق
في معاناة الفنان نفسه: أظنك عرفتي عذاب المغني في هذا الموضع، يتحول الخطاب من الحبيبة إلى الفنان،
حيث لا يعود المغني مجرد مؤدٍ، بل إنساناً مثقلاً بحساسية مفرطة وتوتر دائم تجاه العالم. وطبلو المجدّع
شظايا التمني في هذه الصورة الكثيفة، يتحول الطبل، رمز الإيقاع والفرح، إلى آلة منكسرة، في دلالة على
(3)
انهيار الفرح نفسه. أما «شظايا التمني» فتعكس تفتت الحلم بين الرغبة والعجز. حروفه البتجزع في لحظة
تجنّي تغدو الحروف كائنات قلقة ومتوترة، وكأن اللغة ذاتها تعيش مأزق التعبير. و«التجني» هنا يحيل إلى
القسوة أو الانفعال الحاد، بما يعكس هشاشة المبدع أمام العالم. خطاهو البتهرع متين تطمئني تتجلى حالة
القلق الوجودي في حركة الخطى المضطربة، بينما يظل سؤال الطمأنينة مؤجلاً وغير قابل للتحقق.