آخر الأخبار

﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾

لمياء موسي

يا من تشرّفت قلوبُهم بوهج القراءة، وتعانقت أرواحهم مع نور الكلمة؛ أهدي إليكم تهنئةً معطّرةً بالصحة والعافية، وسلامًا يقيم في النفس طمأنينته، ويفيض على الروح سكينتها.

ها نحن نستقبل نفحاتٍ مباركةً من العشر الأوائل من ذي الحجة، تلك الأيام التي عظّمها الله سبحانه، فأقسم بها في كتابه الكريم: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، تنويهًا بعلوّ قدرها، وتعظيمًا لشأنها؛ إذ تختزن من الأسرار والبركات ما تعجز العقول عن إدراك منتهاها، ولا يحيط بحقيقتها إلا العليم الحكيم.

ثم يُقبل علينا يومُ عرفة، سيّدُ الأيام، ومهوى أفئدة الراجين، يومٌ تتفتّح فيه أبواب السماء للدعوات، وتُسكب فيه الرحمات سكبًا، وتتنزّل فيه المغفرة كغيثٍ يروي القلوب بعد ظمئها؛ يومٌ يقف فيه البيان عند تخوم عظمته، ويعجز الوصف عن استيفاء فضله.

فيه يقف الحجيج من كلِّ فجٍّ عميق، ملبّين نداء الخليل إبراهيم عليه السلام، في مشهدٍ تتجلّى فيه وحدةُ الإنسان أمام خالقه، وتتعرّى فيه القلوب من أثقال الدنيا، لتقف خاشعةً في حضرة المعنى الأعظم، وقد استيقنت أن لا ملجأ ولا منجى إلا إليه.

ثم يُشرق صباحُ عيد الأضحى، محمّلًا بأنفاس البهجة، ومضمّخًا بسكينةٍ تُغشي الأرواح، فيفيض على النفوس فرحًا صافيًا، ويجمع القلوب على مائدة الوئام، كأنما هو وعدُ السماء بأن بعد الطاعة طمأنينة، وبعد البذل سعادة لا تنقضي.

ولستُ هنا بصدد إعادة ما قيل في فضل هذا العيد، ولا الوقوف عند شعيرة الأضحية وما تحمله من معاني العطاء والتكافل وصلة الرحم، ولا عند خطب المنابر التي رسّخت هذه القيم في الوعي الجمعي حتى غدت جزءًا من الذاكرة الروحية للمجتمع؛ فذلك حديثٌ قد استوفى مداه، واستقرّ في القلوب رسوخ اليقين.

غير أنني أطلّ عليكم في مقالي هذا بمحبةٍ صادقة، تتجاوز حدود الكلمات، بمباركةٍ رحبة تمتدّ لكل إنسان على هذه الأرض، في شرقها وغربها، كأنها دعاءٌ عابرٌ للحدود، لا يقيّده زمانٌ ولا يحجبه مكان.

إلا أنّ فكرةً استوقفتني وأنا أتأمّل في شعائر العيد، وأغوص في دلالاتها العميقة؛ حيث تتقدّم إلى الواجهة قصةُ الخليل إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام، ذلك الحدث الجليل الذي لم يكن مجرد واقعةٍ تاريخية خلّدها القرآن الكريم، بل رمزًا أبديًّا لمعنى التسليم الخالص، والإيمان الذي لا يتزعزع.

إنها ليست حكايةً تُروى، بل معنى يتجدّد؛ نبضٌ حيّ في الوعي الإنساني، يذكّر الإنسان بحقيقة الابتلاء، وبجمال الطاعة حين تبلغ ذروتها في اليقين.

أتأمّل ذلك التسليم الكامل الذي أبداه إسماعيل عليه السلام؛ ذلك الصفاء الإيماني الذي تجاوز حدود الخوف البشري، فارتقى إلى مقام الرضا واليقين، حيث يغدو الامتثال لأمر الله ذروة المعنى، وغاية الإرادة، ومنتهى الفهم.

ومن هذا الأفق العميق تتوالد في داخلي الأسئلة تباعًا، كلما أبحر فكري في المشهد؛ تسليمٌ يتخطّى مألوف الإدراك، ويتحدّى ما استقرّ في علم الأعصاب من أن غريزة البقاء كامنةٌ في صميم كل كائن حي، تسوقه خفيةً إلى صون حياته، وتدفعه دفعًا إلى التمسّك بها. لكننا، أمام إسماعيل، نشهد انطفاء تلك الغريزة، أو كأنها قد ذابت في نور اليقين، فتلاشى كل تعلّق بالدنيا، وارتفعت الروح إلى مقامٍ آخر؛ مقامٍ يُقدَّم فيه الجسد قربانًا للطاعة، وتُسلَّم فيه الرقبة طواعيةً، بل ويُستدعى الحزم في لحظة الرحمة، كي لا تعترض الشفقة طريق الامتثال.

أيّ قلبٍ ذاك الذي سكنه؟ وأيّ يقينٍ ذاك الذي بلغه حتى صار الموت أهون عليه من التراجع؟ بل كيف كان قلبه هو، وهو يرى النصل يقترب، في لحظةٍ تختبر أعماق الإيمان وحدوده؟

ذلك التسليم يثير في النفس عواصف من التأمل تفوق طاقتي على الإحاطة بها. إنه ليس مجرد موقفٍ عابر في تاريخ النبوة، بل نموذجٌ أعلى لحقيقة الإيمان حين يبلغ ذروته.

وفي المقابل، نقف اليوم وقد أُوتينا كتابًا كريمًا محفوظًا عبر العصور، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويضع للإنسان منهجًا متكاملًا للحياة. ومع ذلك، يثقل واقعنا بالاضطراب، وتتنازعنا الأزمات من كل جانب.

فهل لأننا لم نبلغ مقام التسليم؟ أم لأننا آمنّا ببعض الكتاب، وأعرضنا عن بعضه؟

نرى أثر ذلك ممتدًّا في كل زاوية من زوايا حياتنا: من قمم السلطة إلى أدقّ تفاصيل العيش اليومي؛ في بيوتٍ فقدت دفءَ السكينة، وفي علاقاتٍ أنهكها الجدل والتنازع، وفي أعمالٍ غاب عنها الإتقان والإحسان، وفي مسيرةٍ تتأرجح بين الغدوّ والرواح بلا بوصلةٍ تهديها إلى مقصدٍ واضح.

إنها، في جوهرها، ليست أزمة واقع… بقدر ما هي أزمة تسليم.

ومن هنا أعلنها صريحةً:

﴿يا يحيى خذِ الكتابَ بقوة﴾…

نداءٌ يتجاوز الزمان، ويخترق الغفلة، ليضعنا أمام مسؤوليةٍ لا تحتمل التأجيل.

فهل نحن مهيّأون — نفسيًا، وعقليًا، وروحيًا — أن نأخذ الكتاب بقوة؟

أم أننا ما زلنا عالقين بين القبول والتردد، بين الإيمان المجتزأ والتسليم الناقص؟

عهدٌ يُحمل، ومسؤوليةٌ تُعاش.

أخذُ الكتاب بقوة وعيٌ عميق، والتزامٌ صادق، واستقامةٌ لا تعرف التلوّن. نحمل القيم قبل الشعارات، نجعل النص حيًّا في سلوكنا، حاضرًا في قراراتنا، ظاهرًا في أخلاقنا.

فإمّا أن نأخذه بقوة فيستقيم به كل شيء، وإمّا أن نحصد مزيدًا من التيه.

الأمر ليس خيارًا عابرًا، بل مفترق طريق.

فإلى أيّ جهةٍ نمضي؟

لسنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التردّد بقدر ما نحن بحاجةٍ إلى صدق القرار؛ فالدروب كلّها مفتوحة، لكنّ الهداية لا تُمنح إلا لمن عزم، ولا يُرفع التيه إلا عمّن أخذ العهد مأخذ الجدّ.

﴿يا يحيى خذِ الكتابَ بقوة﴾…

ليست آيةً تُتلى فحسب، بل ميثاقُ حياة؛

إمّا أن نحمله بوعيٍ ينهض بنا، أو نظلّ نحمله لفظًا… ويثقلنا واقعًا.

كاتبة مصرية مقيمة بلندن