قراءة : تفكيك بنيوي في الفضاء الجمالي لمجموعة (دانة ) ( قصص قصيرة جداً ) لحسن على البطران
جمال بربري – مصر:
مجموعة ( دانة ) للكاتب السعودية حسن علي البطران صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (ضمن سلسلة إبداع عربي – العدد 30) ، سنة الإصدار: ٢٠١٨م وعدد صفحاتها : 118 صفحة من القطع المتوسط ، وعدد النصوص (القصص): تضم المجموعة (75) نصاً قصصياً قصيراً جداً، تتوزع على مساحات متباينة الطول والاتساع الدلالي، وتبدأ بنص (تساقط ورق) وتنتهي بنص (الخروج)
تتحرك مجموعة (دانة) في فضاء سردي متميز، وتمثل وثيقة إبداعية لافتة في مسار السرد العربي المعاصر
أولاً: التقعيد المعرفي والجمالي للقصة القصيرة جداً
لا يمكن مقاربة مجموعة (دانة) باعتبارها مجرد تنويع على القصة القصيرة التقليدية، بل بوصفها ممارسة واعية لجنس أدبي مراوغ يستعصي على الترهل والفضول اللفظي.
إن القصة القصيرة جداً هي جنس أدبي حدي يقف على تخوم السرد والشعر، لكنه ينحاز أصالة إلى حركية الحدث ونموه الصاعق.
ويمكن تقعيد آلياتها البنيوية عبر أربعة محددات جوهرية تشكل عصب هذا الفن:
1- الماهية الاختزالية: بنية سردية مجهرية بالغة التكثيف، تقوم على اقتناص اللحظة المأزومة وتجاوز العرض والتمهيد والمقدمات التقليدية، للوصول الفوري إلى بؤرة الحدث المشتعل.
2- الحكائية المقطرة: الالتزام بوجود نواة صلبة للحدث تتضمن الفعل والتحول، وهو ما يحمي النص من الانزلاق إلى سيولة الخاطرة الوجدانية أو تجريد قصيدة النثر التي تفتقر إلى النبض السردي.
3- المفارقة: آلية خلخلة البناء التوقعي للقارئ، عبر خلق فجوة دلالية حادة بين ما يعد به النص في مستهله من مسار منطقي، وما يصدم به الوعي في مآله من انحراف مفاجئ.
4- القفلة أو ضربة النهاية: اللحظة الانفجارية التي تضيء النص كاملاً بأثر رجعي، وتحول فعل القراءة من التلقي الأفقي البسيط إلى التأويل العمودي المعمق الذي يعيد تركيب الدلالات.
ثانياً: المعمار الهندسي والدلالي لمجموعة (دانة):
1- فيزياء الزمن الرأسي والامتداد المشهدي:
تتجاوز مجموعة (دانة) خطية الزمن التقليدي القائم على التتابع الرتيب من الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل، لتنتقل إلى ما يمكن تسميته بالزمن العمودي الانفجاري، حيث تُضغط السنوات والمصائر في نقطة حرجة واحدة كاشفة.
ويتجلى هذا التقطير للمدى الزمني بوضوح في نص (تأريخ)؛ فالكاتب هنا لا يروي سيرة زمنية ممتدة، بل يضغط عشرين سنة خريف في سطرين مقتضبين.. الزمن هنا يفقد سيولته ليتحول إلى طاقة شعورية مضغوطة ترتد بالذاكرة عبر ومضة خاطفة تربط ذبول الروح بذبول الواقع المحيط.
كما تظهر في المجموعة هندسة ذكية تتأرجح بين النصوص الومضات الميكروية التي تنتهي في أسطر معدودة، وبين النصوص المشهدية الممتدة نسبياً مثل نص (سفينة) أو نص (سميكات).. وفي هذه النصوص الأخيرة، لا يسقط الكاتب في فخ الإطالة، بل يستخدم مساحة الصفحة لبناء متواليات مشهدية متراكمة تعمل كمحفزات بصرية تشحن وعي القارئ تمهيداً للصدمة الختامية، مما يجعل الحجم خادماً للدلالة وليس ترهلاً في البناء.
2- سيميولوجيا الجسد وتفكيك الثنائيات الضدية:
يتخذ الكاتب من الجسد الإنساني والأشياء الحيوية حوامل لعلامات إشارية مشحونة بالدلالات الفكرية والاجتماعية، مستعيناً بالثنائيات الضدية الحادة مثل المعلن والمضمر، والحرية والقيد، والزيف والحقيقة.
ويبرز نص (حيرة) كأنموذج جلي لهذا التوجه؛ حيث يقدم الكاتب مشهداً حركياً يتصاعد بحدة عالية: ارتفعت يدها، صرخت، تحررت من حجابها. هنا يتحول الجسد من وعاء فيزيائي صامت إلى أداة احتجاج علاماتي ثائرة.. لكن الارتطام الحقيقي والصدمة المعرفية يحدثان في القفلة: فارقت روحها الحياة، واحتاروا من يواري جسدها. الموت هنا ليس حدثاً بيولوجياً عابراً، بل هو النتيجة الدلالية الحتمية لصدام الانعتاق مع بيئة خانقة، مما يضع القارئ أمام سؤال فلسفي وجودي حول حدود الحرية وإمكانية تحققها خارج حدود الجسد المقيد
وفي سياق متصل بتفكيك النسق الاجتماعي القامع، يأتي نص (إقصاء) لتتجلى فيه المفارقة في حرمان الجسد الذي أجاد ورقص من وسام الاستحقاق بدعوى الحجاب. ينجح النص هنا في تفكيك الازدواجية المعيارية للخطاب المجتمعي، كاشفاً عن الزيف والخلل الهيكلي الذي يغلف تقييم الإبداع والجهد الإنساني.
3- البنية اللغوية: تجسيد المجرد وشعرية الفعل:
تتخلص لغة المجموعة من الترهل الإنشائي والزخرفة اللفظية المجانية، لتقدم لغة وظيفية صارمة تعتمد بوضوح على شعرية الفعل لا شعرية الوصف.. الجمل قصيرة، متلاحقة، وتسيطر عليها الأفعال الماضية التي تفيد التحقق والسرعة والقطع.
ويظهر هذا التميز الأسلوبي في تفعيل المعادل الموضوعي وأنسنة الأشياء للهروب من التقريرية النفسية المباشرة. ففي نص (فوبيا)، لا يتحدث الكاتب عن مشاعر الخوف العارية بشكل إنشائي، بل ينقل الفعل إلى الطبيعة المحيطة: ترتعش زهرة الياسمين في كوب ماء. هذا التبادل ينقل فعل الارتعاش البشري إلى الجماد، لتصبح الزهرة المنكمشة هي المرآة البصرية الملموسة للداخل النفسي المأزوم، والبديل السيميائي للبطلة أمام خوفها الوجودي من الذبول.
كذلك يتقن الكاتب استخدام بلاغة الاختزال وعلامات الحذف ونقاط الاسترسال كعناصر نصية نشطة تومئ إلى المسكوت عنه. ففي نص (تساقط ورق)، تتلاحق الجمل الفعلية الماضية بلا أدوات عطف: اغتسلت، لبست فستاناً، صرخت، ابتسمت وبكت. هذا الإيقاع اللاهث يحاكي فيزيائياً الصدمة الوجدانية المتلاحقة للبطلة، تاركاً مساحات بيضاء واسعة تتيح للمتلقي ملء الفجوات والمشاركة في إنتاج المعنى
4- استراتيجية العنونة كعتبات نصية موجهة
العناوين في هذه المجموعة ليست مجرد لافتات مجانية، بل هي عتبات نصية مدروسة بعناية تشتغل بوصفها مفاتيح تأويلية تضبط زاوية رؤية المتلقي وتوجه ذهنه. وتتوزع العناوين وظيفياً إلى نمطين:
النمط الأول هو العنوان المفتاح الذي يمنح الشيفرة السيكولوجية الأولى لفهم النص، مثل عناوين (نرجسية) أو (فوبيا).
أما النمط الثاني فهو العنوان المخادع أو المضلل الذي يمارس مراوغة واعية مع أفق توقع القارئ، كما في نص (واجب أحمر).. يظن القارئ للوهلة الأولى أنه أمام مشهد مدرسي تقليدي بريء، لينحرف النص في نهايته مفرزاً دلالة مغايرة تماماً تتعلق بالابتزاز أو التواطؤ الأخلاقي عبر سيميائية الرقم المكتوب بجانب علامة الرفض على الكشكول، مما يحول الواجب من قيمة تربوية إلى أداة إدانة.
ثالثاً: الشفرة الجينية لأسلوب الكاتب وبصمته الخاصة
عند تفكيك الأسلوب المختبري للكاتب عبر الخمسة وسبعين نصاً، تتبلور بصمته الطرازية الخاصة من خلال ثلاث آليات بنيوية ثابتة ومميزة:
الآلية الأولى هي القفزة الفانتازية المجهرة.
يمتلك الكاتب قدرة على الانطلاق من واقعية مألوفة جداً ويومية، مثل إشعال بخور أو فتح كتاب أو ركوب باص، ثم الانزياح المفاجئ نحو مشهد سريالي صادم، كما حدث في تجمع الجن في حالة طرب ومجون مع صعود أبخرة النص.
هذه القفزة تكسر أفق التوقع الرتيب، وتحول اليومي العادي إلى فضاء رمزي مفتوح على احتمالات تأويلية متعددة.
الآلية الثانية هي النهايات الارتدادية المغلقة:
يعتمد المعمار القصصي هنا على بناء جدار سردي متماسك، ثم فتح فجوة صاعقة في السطر الأخير وهي القفلة التي تخلخل المعنى الظاهر كاملاً. هذا التكنيك يجبر القارئ على ممارسة فعل القراءة مرتين: قراءة أولى للمتابعة والتقصي، وقراءة ثانية تراجعية ارتدادية لتفكيك العلامات وإعادة التأويل بعد انكشاف الشيفرة الختامية.
الآلية الثالثة هي الاقتصاد اللغوي الصارم.. يتخلص الأسلوب تماماً من الزوائد والنعوت الفضفاضة والمترادفات التي ترهق النص، ويتم الاعتماد على الكلمة الرمز مثل مصحف، كتاب، زجاج، قمر.
تصبح كل مفردة بمثابة طاقة إشعاعية داخل البنية السردية، حيث تُقاس الكلمة بميزان الذهب وظيفياً ودلالياً، فإن لم تكن تدفع الحدث نحو الهاوية المبتغاة، يتم إقصاؤها بلا رحمة.
إن مجموعة (دانة) تمثل مرحلة نضج واعية ونموذجاً مخلصاً لشروط القصة القصيرة جداً في المشهد الأدبي المعاصر. المجموعة لا تقدم حكايات للتسلية العابرة أو الوصف التسجيلي، بل تستخدم كتابة المشرط الحادة والناعمة في آن واحد. تنفذ هذه النصوص لعمق التحولات النفسية والاجتماعية للإنسان المعاصر، وتعرّي تشوهات الحداثة واستلاب الطفولة والانكسارات الوجدانية الخفية عبر ومضات مكثفة وصادمة.
لقد نجح الكاتب باقتدار في تحويل فعل القراءة من التلقي السلبي المستهلك إلى ورشة عمل فكرية مستمرة لإنتاج المعنى، مؤكداً أن بلاغة الأدب الحقيقي تكمن دائماً في ما يُحذف ويُسكت عنه لا في ما يُكتب ويُعلن.