آخر الأخبار

قراءة في ثقافة زنا المحارم .. الجريمة التي تقوّض البنيان من قاعدته

شيما فتحي – مصر:

إذا كان التاريخ قد علّمنا شيئاً، فهو أن الأمم لا تنهار عادةً بفعل غزوٍ خارجيٍ مباغت، ولا بسقوط جيشٍ في ميدان، وإنما تتهاوى حين تتآكل دعائمها من الداخل، وحين تتحول دوائر الأمان الأولى التي ينهض عليها كيانها إلى مسارح للانتهاك والصمت. وأول هذه الدوائر، وأقدسها في وعي الإنسان ووجدانه، هو البيت. فإذا ما انقلب البيت من ملاذٍ يُلجأ إليه إلى فضاءٍ يُخشى منه، ومن سترٍ يُحفظ إلى سرٍ يُطمس، فإن ما يهدد عندئذٍ ليس فرداً بعينه، ولا أسرةً مفردة، وإنما منظومة القيم التي تمسك بالمجتمع من أن يتفكّك، والثقة التي يقوم عليها التعاقد الضمني بين الناس وبين الدولة.

ومن هنا تكتسب جريمة زنا المحارم جسامتها الاستثنائية. فهي لا تقف عند حدود الفعل المجرَّم، ولا يمكن حصرها في خانة الجرائم الجنائية التي تُقاس بأرقام وأحكام، بل هي اختلالٌ بنيوي يضرب في العمق: انقلابٌ في ميزان القوة داخل الأسرة، وتحولٌ في معنى القرابة من رباطٍ للحماية إلى أداةٍ للطمس والإذلال، وجرحٌ في الذاكرة الجماعية لا يندمل بمجرد العقوبة.

أولاً: جريمة بطبيعة استثنائية:

زنا المحارم لا يقتصر على دائرة الأبوة والأخوة، بل يمتد ليشمل كل من حرِّمت عليه المرأة على التأبيد من جهة النسب والرضاع والمصاهرة. فالجد، والعم، والخال، ومن في حكمهم، يندرجون تحت هذا التحريم الشرعي. وإذ يتم الاعتداء داخل الدائرة الأقرب إلى الإنسان، حيث يُفترض أن تكون الحماية والستر، فإن جسامة الفعل تتضاعف بوصفه جمعاً بين فاحشة الزنا وقطيعة الرحم وهدم النسب. ولذلك شددت الشرائع السماوية الثلاث في أمره، ووضعت له القوانين الوضعية، على اختلاف مذاهبها، عقوبةً أغلظ من سائر جرائم العرض، إدراكاً منها لما يحمله من تفكيك لبنية الأسرة ذاتها.

ثانياً: جذور الجريمة وأصداؤها:

وتعود هذه الظاهرة، في غالب أمرها، إلى اختلال موازين القوة داخل البيت، حيث يستغل المعتدي سنه أو مركزه أو ثقة الضحية ليفرض عليها صمتاً طويلاً لا يُكسر إلا بعد حين، إن كُسر. ولا تقف النتيجة عند الفرد المطعون في أمانه، بل تمتد إلى الكيان الأسري بأسره فيتحول إلى كيانٍ متشظٍّ يحمل سره كعبءٍ يثقل كاهله، ويولد فيه أطفال في ظروف تربوية ونفسية مشوهة، ويتآكل فيه الإحساس بالثقة لأن أول دائرة أمان قد انهارت.

والأشد قسوة أن بعض ضحايا هذه الجريمة كنّ قاصرات لم يكتمل نضجهن الجسدي والنفسي. فحين يحمل طفلٌ بطفل، لا تكون المأساة فردية فقط، بل تتحول إلى مأساة مزدوجة: طفلة تُسلب طفولتها بالقوة، وجنينٌ يُولد في ظروف محفوفة بالمخاطر الصحية والوراثية والقانونية.. حمل القاصرات من العم أو الجد يكشف عن عمق الخلل، فهو لا يهدم فقط حرمة النسب، بل يهدم حق الطفولة ذاتها في الحماية والنشأة السوية.. وفي مثل هذه الحالات تتضاعف مسؤولية الدولة والمجتمع، لأن الصمت هنا لم يعد تستراً على فضيحة، بل تواطؤاً على جريمة مستمرة في حق جيل لم يبلغ بعد سن الاختيار.

ثالثاً: في الصمت بوصفه شريكاً غير معلن:

وما يمنح هذه الجريمة قدرة على الاستمرار هو التكتم عليها بدعوى الحفاظ على سمعة العائلة”. فيُترك المعتدي حراً، وتُترك الضحية وحيدة مرتين: مرة تحت وطأة الاعتداء، ومرة تحت وطأة الخذلان الأسري والمجتمعي. وهكذا يتحول الصمت إلى تواطؤٍ غير معلن، خصوصاً حين يكون الجاني رمزاً للسلطة الأبوية أو العائلية، فتصبح القرابة نفسها غطاءً للانتهاك بدل أن تكون ضمانةً للأمان

رابعاً: السبيل إلى المواجهة:

وإذا كانت المواجهة لا تكون بالتبرير ولا بالتماس الأعذار، فإن المطلوب موقفٌ واضح لا لبس فيه يقوم على غرس مفاهيم الحدود والخصوصية في وعي الأبناء منذ الصغر، وكسر جدار الصمت بجعل حماية الطفل أولى من أي اعتبار اجتماعي، وتفعيل عقوبة رادعة لا تستثني قريباً ولا بعيداً، لأن القرابة لا تبرر الجريمة بل تزيدها شناعة، وتوفير سند قانوني ونفسي للضحية لتمكينها من استعادة حياتها بعد أن سُلبت منها.

الجرح الخفي: حين يصبح الصمت تواطؤاً مع الجريمة

إن الأسرة التي تُبتلى بهذه الجريمة تتحول إلى كيانٍ ميت سريرياً، وإن بدا متماسكاً من الخارج. فلا مبرر، ولا ظرف، ولا سمعة تستحق أن تُدفع ثمناً لبراءة طفل. وما يحدث في الخفاء لا يُقاوَم إلا بكشف الغطاء عنه، فالنور وحده هو القادر على تبديد ظلام هذه الجريمة. وكشف الغطاء ليس فضيحة، بل شرطٌ أول للنجاة. وما لم نواجه هذا الجرح الخفي بجرأة التحليل والمواجهة، سنظل ندفع ثمنه من أبنائنا، ومن ثقتنا، ومن قدرتنا على بناء أي معنى للعدل داخل البيت وخارجه.