آخر الأخبار

بين البلاغة والوقائع… حين تُخاصم السياسةُ حقائق الدولة

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*عندما تشتد الأزمات، وتختلط السياسة بالدم وتثقل الوقائع على الناس والدول، لا تعود اللغة مجرد وعاءٍ للأفكار، بل تصبح أحيانًا جزءًا من الأزمة نفسها؛ تُعيد ترتيب الوقائع داخل الكلمات، وتمنح الأشياء أسماءها، وتُقرِّب بعض المعاني أو تُبعدها، حتى يغدو الخلاف أحيانًا حول الرواية قبل الحدث، وحول تفسير الواقع قبل الحكم عليه.

*فالبلاغة- مهما ارتفعت نبرتها أو ازدانت استعاراتها- لا تكفي وحدها لتفسير الوقائع أو تغيير طبائع الأشياء.. وقد تُجمِّل الكلمات المشهد أو تُحمِّله شحنةً أخلاقية أو عاطفية، لكنها لا تُلغي تعقيدات الواقع، ولا تُسقط ضرورات الدولة، ولا تُنهي حربًا فُرضت على شعبٍ أو دولةٍ أو جيش بمجرد الرغبة أو الأمنيات.

*ومن هذا الباب يمكن قراءة المقال الذي كتبه الدكتور عمر الدقير بعنوان: (بين ذنب الوزغة وحبل الوريد)؛ وهو مقال لا يقتصر الخلاف معه على استنتاجاته السياسية وحدها، بل يمتد كذلك إلى زاوية النظر التي يقارب بها الحرب نفسها، وإلى اللغة التي اختارها إطارًا لفهمها وتقديمها.

*فالمقال، وهو يستدعي واقعةً من التاريخ العربي للسخرية من حديث الفريق أول ركن ياسر العطا رئيس أركان الجيش السوداني وعضو مجلس السيادة، عن اقتراب النصر على مليشيا الدعم السريع، لا يناقش مجرد تصريحٍ سياسي أو تقديرٍ ميداني بقدر ما يعكس تصورًا أوسع للحرب والسلام والدولة ومآلات الصراع في السودان.. وهنا تحديدًا يصبح النقاش ضروريًا؛ لا دفاعًا عن الأشخاص، ولا انتصارًا لعبارةٍ في مواجهة أخرى، وإنما بحثًا في الفارق بين لغةٍ تصف المأساة، ورؤيةٍ تحاول فهم شروط انتهائها.

*وليس بين السودانيين من يحتفي بالحرب أو يتمنى استمرارها لذاتها؛ فقد دفعت البلاد أثمانًا باهظة من الدم والخراب والتشريد والانقسام، بما يفوق قدرة الناس على الاحتمال.. غير أن رفض الحرب- على فداحة مآسيها-لا يغني وحده عن تقدير الكيفية التي تُنهى بها الحروب المفروضة، ولا عن موازنة كلفتها بكلفة ما قد يترتب على إنهائها على نحوٍ خاطئ أو مبتور.

*غير أن المشكلة لا تبدأ عند التمني، بل عند قراءة الواقع

فالسلام- مثل الحرب- ليس كلمةً أخلاقية مجردة، وإنما نتيجةٌ سياسية واستراتيجية لها شروطها وتوازناتها واستحقاقاتها.. وكما أن للحرب كلفةً باهظة، فإن للسلام الخاطئ كلفةً قد تكون أفدح وأطول أثرًا وأكثر تدميرًا لمستقبل الدولة نفسها.

*وهنا تحديدًا يبدو جوهر الخلاف مع كثير من الخطاب السياسي المعاصر؛ فالمشكلة ليست في الدعوة إلى السلام، ولا في التطلع الطبيعي إلى وقف الدماء، وإنما في تحويل السلام أحيانًا إلى خطابٍ أخلاقي منفصل عن شروط الدولة والسيادة وموازين القوة، وكأن مجرد الرغبة فيه تكفي لصناعته أو لضمان استدامته.

*وهنا يقع كثيرٌ من الخطاب السياسي في اختزالٍ مخل؛ إذ يتعامل مع الحرب وكأنها خيارٌ مزاجي أو نزوةُ جنرالات أو شغفٌ بالسلاح، بينما يتجاهل أن الدولة حين تواجه تمردًا مسلحًا، مدعومًا من قوى إقليمية ودولية، ومحتضنًا بكيانات سياسية وقبلية محلية، ويسعى لفرض واقعٍ بالقوة ويهدد وحدتها وسيادتها ومؤسساتها ووجودها ذاته لا تملك ترف تجاهل الخطر أو إدارة الأزمة بمنطق الأمنيات.

*إن الدعوة إلى وقف الحرب لا تصبح سياسةً ناضجة بمجرد إطلاقها، ما لم تُجب عن سؤال الدولة والسيادة والعدالة ومآلات القوة المسلحة الخارجة عن النظام العام.. فليس كل وقفٍ للنار سلامًا، وليس كل تفاوضٍ إنقاذًا، كما أن التاريخ نفسه-الذي استدعاه الدكتور الدقير- يعجُّ بأمثلة تسوياتٍ مؤقتةٍ لم تُنهِ الحروب بل أعادت إنتاجها بصورةٍ أكثر قسوة.

*وليس السودان استثناءً من هذه القاعدة؛ فالتجارب القريبة والبعيدة تُظهر أن السلام الذي لا يعالج جذور الصراع ولا يحسم سؤال الدولة والسلاح، قد يتحول إلى هدنةٍ مؤقتة أو استراحةٍ بين جولتين من النزاع، لا إلى نهايةٍ حقيقية له.

*ولعل من المفارقات أن المقال الذي أراد نقد استعارةٍ لغوية، انتهى هو ذاته أسيرًا للاستعارة

فما بين (ذنب الوزغة) و(حبل الوريد) مساحةٌ واسعة من الوقائع لا من البلاغة؛ مساحةٌ تتصل بطبيعة الحرب السودانية نفسها، وبالأسئلة الثقيلة التي فرضتها على الدولة والمجتمع معًا.

*فالصرفي الحروب المعقدة ليس دائمًا صورةً عسكريةً مبسطة يرفع فيها طرفٌ رايته فوق أنقاض الآخر، وإنما له وجوهٌ متعددة تتجاوز الجغرافيا والعمليات العسكرية وحدها.. ومن وجوه النصرالتي ربما لا تراها بعض القراءات السياسية المستعجلة أن تنجو الدولة من مشروع التفكيك، وأن تستعيد مؤسساتها قدرتها على الفعل، وأن تتمايز الصفوف بعد طول ضباب، فيعرف الناس مواقعهم ومواقفهم ومقاماتهم، وينكشف الفرق بين من انحاز إلى الدولة مهما اختلف معها ومن راهن على كسرها أو إضعافها أو التربح من أزمتها.. ومن وجوهه أيضًا أن تسقط الأقنعة، وأن يكتشف السودانيون حجم التداخل بين الشعارات والمصالح، وبين الخطاب الأخلاقي وحسابات السياسة.

*فالسنوات الأخيرة لم تكن ساحة معركةٍ بالسلاح وحده، بل كانت أيضًا ساحة اختبارٍ للمواقف والرؤى والتقديرات.

 

*وتبقى هنا أسئلة مشروعة حول حصيلة مدارس التنظير السياسي التي ملأت الفضاء السوداني ضجيجًا خلال العقد الأخير، وما الذي بقي من يقيناتها الكبرى بعد أن اصطدمت البلاد بواحدةٍ من أعقد أزماتها.

*لقد عرف السودانيون الدكتور عمر الدقير رئيسًا لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم في ثمانينيات القرن الماضي، ثم رئيسًا لحزب المؤتمر السوداني منذ عام 2016م، وواحدًا من رموز تحالفات سياسية تعاقبت أسماؤها بين قحت وتقدم وصمود.. وهذا حقه السياسي المشروع الذي لا يُنازع فيه أحد.. غير أن تلك التحالفات ما تزال نتائج تجربتها السياسية محل خلافٍ واسع ونقدٍ كبير لدى قطاعات معتبرة من السودانيين.

*غير أن السياسة في نهاية المطاف لا تُقاس فقط بسلامة الخطاب ولا بقدرة السياسي الكاتب على سبك العبارة، وتظل امتحانًا للأثر قبل الكلمة؛ فالحضور الكثيف في التنظير والخطابة وإدارة الشعارات لا يكتسب معناه الحقيقي إلا بقدر ما يُنتج من أثرٍ سياسي وتقديراتٍ صائبة ونتائج قابلة للقياس.. فالناس لا تُحاسب السياسي على فصاحة لغته، بل على حصيلة رؤيته.

*وقد درج الدكتور الدقيرمثل كثيرٍ من أبناء المدرسة الخطابية الحديثة على تحميل المقالات قدرًا كبيرًا من الشحن البلاغي والرمزي؛ من قبيل: (المجد للساتك، والمجد للمتاريس)، و(وطن تنتصر فيه السنابل على أسراب الجراد)، وغيرها من الصور التي قد تستهوي الذائقة الأدبية الباحثة عن حرارة الصورة واتساع المجاز أكثر من صرامة الوقائع، لكنها كثيرًا ما تُغادر أرض الوقائع إلى فضاء المجاز المفتوح.. وليس المجاز عيبًا في ذاته، فالأدب روح اللغة وزينتها، غير أن السياسة لا تُدار بالمجاز وحده.

*وفي الوجدان السوداني معنى عميق لا يحتاج إلى كثير بيان: الواقف في الضُل غير الواقف في لهيب الشمس. ومن يراقب الحريق من بعيد ليس كمن ينشغل بمنع امتداده أو احتواء خسائره. وكذلك قال العرب قديمًا، بمعنى تتكرر حكمته وإن اختلفت ألفاظه: ليس من وصف الوغى كمن وطئ غباره.

 

*وليس في استدعاء هذه المعاني انتقاصٌا من حق أحد في الرأي أو الدعوة إلى السلام، وإنما تذكيرٌ بأن توصيف الحروب غير إدارتها، وأن نقدها على ضرورته لا يغني وحده عن تقديم تصورٍ واقعي لإنهائها دون التفريط في الدولة أو مكافأة القوة الخارجة عليها.

*وهذه ليست دعوةً إلى تمجيد الحرب، ولا تبريرًا لآلامها، وإنما تذكيرٌ بأن الحكم على الوقائع يحتاج إلى أكثر من براعة التعبير وحسن صفّ الكلمات

 

فالحروب التي تُفرض على الدول لا تنصاع للرغبات المجردة ولا تنتهي بحسن النوايا وحده، كما أن الدول لا تُبنى بتعليق أخطائها كلها على شماعة العسكر أو السياسيين أو الخصوم وحدهم.. فالأمم التي تواجه تهديدًا وجوديًا تنشغل قبل أي شيء بحماية كيانها ومنع انهيار دولتها، ثم بالسعي إلى إنهاء الصراع بأقل خسارةٍ ممكنة، دون أن تورث الأجيال القادمة حربًا أخرى أشد وأطول أو سلامًا هشًّا يعيد إنتاج الأزمة من جديد.

*ولعل من المهم التذكير بأن حماية الدولة ليست نقيضًا لحماية الناس، بل إن انهيار الدولة غالبًا ما يكون الطريق الأقصر إلى اتساع المأساة نفسها؛ فحيث ينهار النظام العام ويتفكك الاحتكار المشروع للقوة، تتسع دوائر النزوح والجوع والانتقام ويصبح المدنيون أول من يدفع الثمن وآخر من يجد الحماية.

*ومن هنا فإن الحديث عن اقتراب النصر سواء اتفق الناس مع تقديراته أو اختلفوا حولها ليس بالضرورة دعوةً لاستدامة الحرب أو احتقارًا للسلام، كما حاول بعض الخطاب أن يصوره، وإنما قد يكون تعبيرًا عن قراءةٍ ميدانية أو سياسية أو معنوية مرتبطة بموازين الصراع وتطوراته.

*ويبقى الفيصل في النهاية ليس زخرف العبارة، ولا براعة العنوان، بل قدرة القراءة السياسية على ملامسة الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه فالسياسة التي تُجيد توصيف الحريق أكثر من فهم أسبابه وشروط إطفائه، قد تُنتج عباراتٍ لامعة وعناوين آسرة، لكنها تعجزحين تشتد المحن عن أن تكون بديلًا للدولة أو سندًا لبقائها.

*ويبقى السودان، في لحظاته المصيرية، محتاجًا إلى ما هو أبعد من بلاغة الموقف؛ محتاجًا إلى صرامة التقدير، وعدالة الرؤية، وشجاعة الاعتراف بأن السلام الحقيقي لا يولد من إنكار تعقيدات الحرب، بل من فهمها وإنهائها دون التفريط في الوطن نفسه.