النظام السياسي السوداني الجديد… بين آلام المخاض وأمال الخلاص
- التجربة الغربية في الديمقراطية منتوج بشري تتفاوت عوامل نجاحه من بلد إلى آخر
- وضع السودان الشائك والتباين بين القوى السياسية يحتم علينا التفكير خارج الصندوق
حافظ العوض الجابرابي

*أغلب الناس وبعد اكتمال النصر بإذن الله وإحلال السلام يتفقون في أن المرحلة القادمة تتطلب قيام فترة انتقالية يحتم خلالها الواقع الداخلي والخارجي ضرورة تكوين حكومة مدنية تنفيذية, وأن تظل أيلولة السيادة فيها للجيش حتى يتم خلالها استتباب الأمن وفرض هيبة الدولة ومتابعة الجهود لإرساء أسس ومؤسسات الدولة وإنشاء المفوضيات المختلفة لرعاية المشاورات والحوارات المطلوبة, على كافة المستويات من أجل النظر في تاسيس نظام سياسي راشد ، ياخذ بعين الإعتبار دراسة كل تجارب الحكم البشري وتنقيحها ووضع النموذج الذي يناسب مجتمع السودان.
*ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن هنالك العديد من شعوب العالم عاشت نفس هذه الحروب والتجارب التي عشناها ومن ثم جلست وتوافقت على أنظمة حكم أدت إلى انطلاق نهضتها وازدهار اقتصادياتها (الصين ، كوريا ، رواندا ، اثيوبيا ، ايران) وغيرها , فليس بالضرورة الإهتداء بذات تجاربهم ولكن أهمية الإطلاع عليها وإخضاعها للمقاربة والمقارنة,
بل الأهم من ذلك ألا نغفل تجارب الحكم السابق في السودان ، وتحليل عللها والأخذ بأفضل ميزاتها.
*ونلفت الإنتباه هنا كذلك إلى ضرورة تدوين أبرز أراء ونظريات كبار العلماء والباحثين الذين قدموا عصارة أبحاثهم في هذا المجال ك(ديفيد ايستون -١٩١٧-٢٠١٤ استاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد) والذي أشار إلى أن النظام السياسي لا يحيا من فراغ بل انه مجموعة من التفاعلات التي يتم من خلالها التوزيع السلطوي للقيم في المجتمع ( أي التفاعلات التي عبرها يتم ترجمة قيم المجتمع في شكل قوانين وقرارات سياسية).
*ولعل الكل يجمع بأن النظام السياسي المامول ليس هو حكم الفرد أي ليس بالنظام الديكتاتوري ولا الإستبدادي ذلك على الرغم من أنه وعندما حكم على سقراط استاذ إفلاطون وعندما كان سقراط يحتضر جراء تجرعه السم ، كان الشعب يهتف فليمت سقراط ، فانتبه إفلاطون إلى جهل الشعب فاطلق قولته الشهيرة ( ويح الديمقراطية التي جعلت كل الكلاب تنبح ), ولهذا اكد على أن الشعوب الجاهلة يجب أن يحكمها ديكتاتور,
ولقد أيد رأيه هذا مكافيلي صاحب كتاب (الأمير ) الغاية تبرر الوسيلة.
*نعم لقد نادينا كلنا بإعمال الديمقراطية لكن أي ديمقراطية يجب أن ننتهج, بلاشك فإن الديمقراطية المباشرة يصعب تحقيقها ( إذ أنها تتطلب عدد صغير ) كما أنها لا تتاتى لنا في ظل ظروف مجتمعنا المعقدة, إذن هي الديمقراطية غير المباشرة, لكن أيهما أنسب لنا؟.
*هل هي الديمقراطية الليبرالية والتي تتم عن طريق الانتخابات التعددية الحزبية ( والتي هدفها وشعارها السامي هو إطلاق الحريات), أم إننا نتطلع إلى الديمقراطية الاجتماعية ، ديمقراطية الحزب الواحد ( والتي تهدف إلى العدالة الاجتماعية وضمان الحقوق الأساسية للفرد من مآكل ومشرب وتحقيق العدالة).
*ظني حقيقة أن وضع السودان الشائك والتباين الواضح بين القوي السياسية يحتم علينا التفكير خارج الصندوق في مسالة النظام السياسي ونظام الحكم, وهنا أود الإشارة للآتي:
ا/ معلوم أن الديمقراطية الحزبية ( أو نظام الحكم الديمقراطي) هو تجربة غربية خالصة ، ونظام حكم مبتكر من بلاد درست خصائص مجتمعاتها ومعطياته السياسية الماثلة ومن ثم انتجت تلك التجربة الديمقراطية المبهرة والتي عمدت على تسويقها وتطبيقها في البلدان النامية، وبالفعل فقد تلقفتها العديد من البلاد بعضها ناسبت التجربة تربتها لتشابه عوامل المناخ ، وبعضها فشلت فيه التجربة لتباين واختلاف الواقع السياسي والاجتماعي, ولذا ظلت تلك البلدان تدور في فلك الحكم الديمقراطي ثم الانقلابات أو أنها طبقت تجربة ديمقراطية شكليه فقط ليقال أن نظام الحكم فيها ديمقراطي,
ولهذا تظل التجربة الغربية منتوج بشري ، تتفاوت عوامل نجاحه من بلد إلى آخر.
ب/ وبما أن السودان نسيج متفرد ومختلف ومتباين ، فانني اقترح أهمية إعادة دراسة التجربة الغربية وتنقيحها وتطويرها لتناسب الواقع السوداني, أخذين في الإعتبار عدد من الموجهات الهامة.
أولا: وبما أن الكل يريد للشعب أن يكون هو الفيصل في إختيار ممثليه للحكم ، فعليه لابد للنظر في أمثل الطرق لإشراك كافة المواطنين في العملية السياسية.
ثانيا : ولعله غني عن القول أهمية أن يبني النظام السياسي وهيكل الدولة على سيادة القانون.
ثالثا : بناء النظام السياسي على أسس المجتمع ومعتقداته وثقافته وعاداته وتقاليده وأعرافه ونمط سلوكه في إدارة الشأن العام.
رابعا : التاكيد على ضرورة مشاركة السلطة و توزيع الثروة بين مختلف المناطق, وإنزال السلطات والخدمات إلى المستوى المحلي وتقريب الظل الإداري.
*يمكن تكليف مختصين لإعداد مسودة مقترح للنظام السياسي ونظام الحكم في السودان يمكن التشاور عليها من كافة المستويات.
*وأود هنا تقديم بعض الرؤى الأولية حول شكل النظام السياسي والذي أرى إنه يناسب الوضع السوداني, ويقيني أن الأمر ليس بجديد ولكن فقط للقول بأن الجلباب القديم ما عاد يناسب واقعنا,
سيما وأن الناس قد سئمت من الدوران في ذات فلك الدائرة الخبيثة فترة حزبية تتصارع عليها الأحزاب بكل الأسلحة المسموحة وغير المسموحة, فما هو ببعيد حتى نخرب كل شئ ويبلغ بالناس ما يبلغ من عنت ، فتهيي الساحة للتغيير ثم يعقب ذلك انقلاب عسكري تعمد فيه الأحزاب الخارجة عن السلطة لمحاربته داخليا وخارجيا بكل ما أوتيت من قوة ولا تتورع فيه حتى بالاستعانه بأعدائها ثم نعود لذات الدائرة مرة أخرى ، وهكذا دون أن نفكر في كيفية الخروج من تلك الدائرة.
*ولعل الفترة التي أعقبت اتفاقية نيفاشا أحدثت استقرارا, تفاءلنا به خيرا, خاصة لما تبع ذلك من حوار وتوافق رغم تباين المواقف وتباعد المنطلقات العقدية وتراضى الناس على دستور ٢٠٠٥ ,والذي للأسف نسف مع أول تغيير رغم أنه كان بالإمكان البناء عليه ليكون عاصما للناس حتى تأسيس مؤسسات الدولة والنظر فيما يمكن تعديله من بنود.
*لكن أسفي على واقعنا ، (كل ما جاءت أمة لعنة اختها) ، لنظل نصارع في طواحين الهواء.
*وها نحن نعود لآلام مخاض جديد نأمل معه في خلاص ناجع لمعالجة تفاقم الوضع السياسي, مما يؤكد حاجتنا إلى الاسراع في تاسيس بناء جديد لإدارة الدولة, يحتم علينا ذلك الواقع أن نبتكر فيه تجربتنا الخاصة ، بعيدا عن هذا التناحر الحزبي والسباق الايدولوجي.
*ورؤيتي المتواضعة أري أن لا نبني مولودنا الجديد على نظام الديمقراطية الليبرالية الحزبية ، وإنما تنطلق من مؤتمرات قاعدية في كل حي وقرية, لتقوم باختيار ممثليها لأنظمة الحكم المختلفة حتى يتم تكوين هياكل الدولة, والتي تقوم في نهاية عملياتها التصعيدية بإنتخاب قيادة البلاد, ولعل التفصيل والتنظير لتلك الرؤى هو ما يمكن أن يضعه المختصون في المسودة المقترحة التي أشرت إليها.
*هدفت فقط من هذه النقاط تحفيز همم السياسين والمثقفين والمهتمين للتفكير في كيفية وضع أسس جديدة متينه تبني عليها دولة المستقبل.
*ويقيني أن حركة بناء نظام سياسي راسخ يحفظ للدولة كينونتها واستمراريتها لن يكون طريقا سهلا ، ليس فقط لما سيواجهه من صعوبة المفاضلة فحسب , إذ أن الوصفة التي تبدو منطقية سوف لن تكون مقنعة لكثير من النخب,بل ايضا لما سيواجه ذلك المولود من تحديات اقليمية ودولية للعديد من الأسباب والتي لا تفوت على فطنة المتابع السياسي للوضع العالمي.
ولكن يبقي الأمل في إنسان السودان صانع المستحيلات بلاحدود.