
حين تتحدث الدبلوماسية بلغة الوفاء للسودان
عمرو خان
*في خضم المشهد السوداني المعقد، وبين ضجيج المعارك وصخب المواقف المتباينة، تبرز الرسائل الدبلوماسية الصادرة من مصر والسعودية وعدد من الدول العربية والإفريقية كعلامات مضيئة في طريق طويل من التحديات. فهذه الرسائل لم تعد مجرد بيانات سياسية تقليدية أو مواقف بروتوكولية معتادة، بل أصبحت تعبيراً واضحاً عن إدراك عميق لأهمية السودان ومكانته الاستراتيجية والتاريخية في محيطه العربي والإفريقي.
*ما يلفت الانتباه أن هذه المواقف تتكرر بصورة متسقة وثابتة كلما طرحت أفكار أو محاولات تستهدف إنشاء كيانات موازية للدولة السودانية أو المساس بمؤسساتها الوطنية.. وكأن هذه الدول تدرك أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، وإنما في تفكيك مفهوم الدولة ذاته وتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ والمشروعات المتعارضة.
*ومن يتابع تطورات الأزمة السودانية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن بعض الممارسات السياسية، سواء كانت عن قصد أو نتيجة قلة الخبرة والتقدير، أسهمت في إضعاف الصورة الذهنية لمكانة السودان لدى البعض.. فهناك من تعامل مع السودان وكأنه مجرد ساحة أزمة عابرة يمكن إعادة تشكيلها وفق المصالح الآنية أو الحسابات الضيقة، متجاهلاً أن هذا البلد ظل عبر تاريخه ركناً أساسياً من أركان التوازن الإقليمي في المنطقة.
*السودان ليس دولة هامشية يمكن تجاوزها أو القفز فوق مؤسساتها الوطنية.. إنه بلد يمتد تأثيره من البحر الأحمر إلى قلب إفريقيا، ومن منابع النيل إلى عمق العالم العربي.. ولذلك لم يكن غريباً أن تصبح قضاياه محط اهتمام القوى الإقليمية والدولية، وأن تتقاطع على أرضه حسابات عديدة ومصالح متشابكة.
*وعندما تؤكد القاهرة والرياض وعواصم عربية وإفريقية أخرى رفضها لأي محاولات لإقامة حكومات أو مؤسسات موازية، فإنها في الحقيقة لا تدافع فقط عن السودان، بل تدافع عن مبدأ استقرار الدول الوطنية في المنطقة بأسرها.. فالسماح بتكريس نماذج الانقسام والتشظي من شأنه أن يفتح أبواباً واسعة للفوضى تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الحدود السودانية.
*وتحمل هذه الرسائل كذلك بعداً إنسانياً ومعنوياً لا يقل أهمية عن بعدها السياسي.. فالشعب السوداني الذي عانى من ويلات الحرب والنزوح وفقدان الخدمات الأساسية يحتاج إلى ما يعزز ثقته في أن بلاده ما زالت تحظى بسند إقليمي حقيقي، وأن هناك من ينظر إلى معاناته باعتبارها قضية تستحق الاهتمام والدعم وليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار.
*كما أن هذه المواقف تمنح السودانيين قدراً من الطمأنينة بأن العلاقات التاريخية التي ربطت السودان بمحيطه العربي والإفريقي لم تتأثر بما شهدته البلاد من اضطرابات.. فالعلاقات بين الشعوب والدول الكبرى لا تبنى على المصالح المؤقتة وحدها، وإنما تتأسس على تراكم طويل من الروابط الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أثبتت قدرتها على الصمود أمام الأزمات.
*وربما تكمن أهمية هذه الرسائل أيضاً في أنها تعيد التذكير بحقيقة كثيراً ما غابت وسط زحام الأحداث، وهي أن السودان لم يكن يوماً عبئاً على محيطه، بل كان شريكاً فاعلاً في صناعة الاستقرار الإقليمي. فمن أرضه انطلقت مبادرات للتقارب بين الدول، وعلى أراضيه احتضنت قمم ومؤتمرات مهمة، ومن شعبه خرجت كفاءات ساهمت في بناء مؤسسات ومشروعات في مختلف أنحاء العالم العربي وإفريقيا.
*إن المتأمل في المشهد الراهن يدرك أن السودان يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه الحديث، وأن استعادة الاستقرار لن تتحقق فقط عبر الحلول العسكرية أو الترتيبات السياسية، بل تحتاج كذلك إلى شبكة واسعة من الدعم الإقليمي والدولي الذي يحترم سيادة الدولة السودانية ووحدة أراضيها ومؤسساتها الوطنية.
*ولعل الرسالة الأهم التي تحملها المواقف العربية والإفريقية المتكررة هي أن السودان ما زال يمثل قيمة استراتيجية وحضارية لا يمكن تجاهلها. فالدول التي تؤكد وقوفها إلى جانب وحدة السودان واستقراره تدرك أن أمنه من أمنها، وأن استقراره ينعكس إيجاباً على المنطقة بأسرها.
*وفي النهاية، قد تختلف التقديرات السياسية وتتنوع الرؤى حول تفاصيل الأزمة السودانية ومسارات حلها، لكن الثابت أن السودان سيبقى أكبر من محاولات التهميش وأقوى من مشاريع التفكيك. وستظل الروابط التي تجمعه بمحيطه العربي والإفريقي أحد أهم عناصر قوته في مواجهة التحديات الراهنة.
*لهذا تبدو تلك الرسائل الدبلوماسية، في جوهرها، أكثر من مجرد بيانات رسمية؛ إنها رسائل وفاء لبلد عريق، ورسائل ثقة في شعب صمد أمام المحن، ورسائل أمل تؤكد أن للسودان أشقاء وأصدقاء يدركون جيداً أن الحفاظ على وحدته واستقراره ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.
*كاتب صحفي مصري