آخر الأخبار

الكرمك مدينة التبر والتراب والجداول والخمائل وحكايات مدينة لاتعرف التثاؤب..

عبير الأمكنة :

 

  • مدينة على تخوم الحدود الدولية مع إثيوبيا وذات موقع إستراتيجي مهم ولكن..
  • إقليم النيل الأزرق الثقافي تفاصيل مشهده متفردة والكرمك إحدى بؤره المهمة..
  • الكرمك موقعها الاستراتيجي جعل منها خط دفاع متقدم لحاضرة النيل الأزرق الدمازين ورصيفتها الروصيرص
  • ( جدع النار ) من الطقوس المهمة أثناء موسم الحصاد عند المجموعات السكانية..
  • الكرمك معادل مهم في ملف الحرب والسلام ومحل اهتمام الباحثين في أكثر من مجال..

 

تفاصيل ينقلها ل(تفاصيل)دكنور إبراهيم حسن ذو النون

(1)
الكرمك مدينة يجوز لي ان اطلق عليها مدينة (التبر والتراب )فهي إحدى مناطق النيل الازرق التي تختزن معدن الذهب فمنه الظاهر المكتشف ومنه المخبوء المكتشف غير المستغل والذي ينتظر ان يستغل بواسطة الأجهزة الحكومية المختصة او ينتظر المجموعات والافراد الذين يعملون في مجال التعدين الاهلي. وهي مدينة التراب حيث التربة الطينية التي تصلح لزراعة كل شئ وما بين التبر والتراب هناك الجداول والخمائل فالكرمك عروس النيل الازرق والنيل الازرق كل مدنه عرائس لأن الجداول والخمائل؟تحفها من كل ناحية وتلك قصة أخرى
(2):


الكرمك هي مدينة استراتيجية تقع على تخوم الحدود الدولية مع الجارة اثيوبيا
حيث تبعد عن مدينة اصوصا الاثيوبية حوالي 90كيلومتر وهي بهذه المسافة تعتبر
من أهم نقاط التواصل الحدودي عبر معبر اصوصا الحدودي والذي يمثل مرتكزا لتداخل المجموعات السكانية على تخوم الحدود وتعايشها وتساكنها فالناس هناك تجمعهم تفاصيل الجغرافيا والتواصل فهم متواصلون متعايشون كيفما اتفق وبينهم مشتركات مهمة تقفز فوق عوائق السياسة وتقلباتها إذ المعروف ان دنياوات ساس يسوس إذا اصبحت على شئ تمسي على غيره و إذا امست على شئ لاحقتها متغيرات جديدة عند الصباح فدوام الحال من المحال في عالم السياسة خاصة السياسة الدولية والاقليمية والتي تحكمها المصالح ذلك لأن السياسة هي فن الممكن وتلك قصة أخرى
(3):
تبعد مدينة الكرمك عن العاصمة الاتحادية الخرطوم بعدد 587كيلومتر و136كيلو متر
عن عاصمة الولاية او الاقليم (الدمازين ) وهي مدينة تقع في هضاب وجبال وتلال وترتفع عن مستوى سطح البحر ب1650مترا
وهضابها وتلالها وجبالها بها معادن على رأسها الذهب (التبر) فهي واحدة من المدن التي استهدفتها خطة محمد علي باشا لاحتلال السودان 1821م والذي كان من اسباب حملته الشهيرة بقيادة ابنيه ابراهيم الذي مات مبكرا واسماعيل باشا والذي تعامل بكل صلف وغرور مع أهل مدينة شندي والذين دبروا له
مكيدة (وليمة العشاء ) التي لقي فيها حتفه حرقا وتلك قصة أخرى حيث كان السبب الأول هو البحث عن المال ففي الكرمك( التبر) الذهب وكان السبب الثاني هو الحصول على الرجال الاقوياء الاشداء وهؤلاء ايضا يمكن ان يتوفروا في الكرمك كما يمكن ان يتوفروا في مناطق عديدة من السودان
(4):
تعتبر الجغرافيا هي الاساس الصلب لعلم الاستراتيجية اي ما يعرف ب(الجيوستراتيجي)التي تحدد مساحات التحرك وتفرض القيود الطبيعية وتتحكم في خطوط الإمداد الحيوية ولايمكن صياغة أي خطة سياسية أو عسكرية او اقتصادية او اجتماعية ناجحة دون الفهم العميق للبيئة ) وعلى هذا الاساس فإن لمدينة الكرمك بعدها الاستراتيجي فهي تمثل لحاضرة النيل الازرق (الدمازين )ورصيفتها الروصيرص خط الدفاع المتقدم وتتحكم في طرق التجارة المفتوحة مع الجارة اثيوبيا وقد ظلت مدينة الكرمك حاضرة في ملفات الحرب والسلام في السودان فقبل انفصال جنوب السودان كان احتلالها في العام 1988م بواسطة الحركة الشعبية يمثل اختراقا كبيرا بالنسبة للحركة الشعبية وفي نفس الوقت مثل استردادها بواسطة الحكومة تغيرا كبيرا في واقع خارطة السيطرة كما انها وقتها كانت تمثل معادلا مهما في خطوط وفواصل أي مفاوضات سلام بين الطرفين وقتها والآن وفي ظل الحرب الماثلة في السودان منذ 15ابريل 2023م ظلت مدينة الكرمك وبرغم ما لها من أهمية استراتيجية عصية على مخططات آل دقلو المستمرة لتحقيق أي اختراق في جبهة النيل الازرق للوصول إلى الدمازين ومنها إلى الروصيرص حيث يمثل خزانها البعد الاستراتيجي لقوات الدعم السريع المتمردة لشل قدرات الحكومة السودانية الخاصة بالتوليد المائي للكهرباء ولرفد المشروعات الزراعية الكبيرة بالإمداد المائي لريها ولكنها ظلت عصية واصبح احتلالها مجرد أصغاث أحلام تراود المتمردين
(5):
تحتضن محلية الكرمك نسيجا سكانيا اجتماعيا متفردا يتلاقى مع مجموعات سكانية نظيرة له في الجارة اثيوبيا حيث
تربطهم وشائج وعلاقات ممتدة بينهما وتتوزع محلية الكرمك من الناحية الإدارية إلى اربع وحدات إدارية جميعها طابعها ريفي وله مقومات اقتصاد ريفي تقليدي هي .(سالي وأم جاموس وديم منصور وتشالي ) حيث تقدم هذه الوحدات الإدارية الاربع الخدمات المتكاملة لمواطني هذه المناطق والتي تلعب دورا محوريا في حركة الاقتصاد الريفي المحلي في مجالات الزراعة والغابات والثروة الحيوانية والتعدين الاهلي لاسيما التعدين عن معدن الذهب والتي تذخر محلية الكرمك بكميات كبيرة منه )
(6):
غني عن القول ان محلية الكرمك تكمن اهميتها الاقتصادية في كونها تعد مركزا محوريا وحدوديا استراتيجيا يربط بين السودان والجارة الاثيوبية وتبرز اهميتها في الثروات الزراعية الكبيرة ومساحات مشروعاتها الضخمة علاوة على انها غنية بالموارد المعدنية المهولة خاصة الذهب
وتتمثل الركائز الاقتصادية للكرمك على الآتي :
*التجارة الحدودية بين السودان ودول الجوار خاصة اثيوبيا ودول القرن الافريقي عموما مما يجعلها مركزا مهما للاسواق الحرة
*الانتاج الزراعي والرعوي حيث تضم مساحات شاسعة وتعتمد عليها مجتمعات المنطقة في انتاج المحصيل النقدية والغذائية وتربية الماشية مما يوفر الأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي
*الكرمك بؤرة غنية بالتعدين خاصة الذهب مما يرفد الاقتصاد القومي والمحلي بعوائد اموال ضخمة تسهم في حركة الاقتصاد
*الموارد الغابية حيث توجد بالكرمك مساحات واسعة من الغابات مما جعلها مركزا لتوطين المنتجات الغابية والمنتجات ذات الصلة بالحياة البرية
(7):
لئن كان اقليم النيل الازرق الثقافي في جنوب شرق السودان بوتقة تنصهر فيها الثقافات المتعددة حيث يذخر بتنوع يضم مزيجا من القبائل الاصلية القاطنة بالمنطقة منذ القرون البعيدة فان الكرمك تمثل بؤرة ذلك الحراك في اقليم النيل الازرق الثقافي فهي تمثل بوتقة فريدة للتنوع الثقافي و للتنوع الاثني والعرقي في السودان حيث يضم فسيفساء من القبائل المتعددة التي تتفرد بلغاتها وتراثها وارثها وتتميز الكرمك في بعدها الثقافي والتراثي بأنها مرتكز للتعايش الاجتماعي الذي يجمع بين المجموعات الافريقية والعربية مما أدى لصياغة هوية محلية غنية بالطقوس والفنون والمعالم الاثرية
واقليم النيل الازرق
الثقافي والذي تمثل الكرمك احد مرتكزاته المهمة والتي
تضم الكثير من الطقوس المتوارثة التي تعكس ذلك النموذج المتفرد وترتبط العادات والطقوس بالمواسم الخاصة بالزراعة والحصاد وإلى الارتباط بالأرض والبيئة ويمكن ذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر
*طقس جدع النار (موطاغا)من الطقوس التي اشتهرت بها قبيلة البرتا وهو احتفال طقوسي يستمر لمدة شهر كامل تتخلله الرقصات الشعبية واعمال فلكلورية واغان تراثية مثل اهيشالي
(8):
كانت الكرمك ولم تزل محلا للدراسات الاكاديمية ذات الابعاد الاستراتيجية والتاريخية والثقافية والاجتماعية وباعتبارها مسرحا للنزاعات والحركات المسلحة الباحثة عن التقاسم العادل للسلطة والثروة حيث نشط عدد من الباحثين في الدراسات الجيوسياسية والثقافة والترات وقضايا التعايش والتساكن وقد قدمت قناة الجزيرة عبر منصة الجزيرة نت عددا من الاوراق البحثية الخاصة براهن الاحداث في الكرمك ومحيطها بعد محاولات تحالف الدعم السريع وقوات عبدالعزيز الحلو وقد انتهت تلك الأوراق المسنودة بآراء خبراء استراتيجيين إلى ان اعادة ترتيب المشهد لصالح الجيش السوداني ليس في الكرمك فحسب بل كل إقليم النيل الأزرق قد أصبح قاب قوسين أو أدنى.