آخر الأخبار

السودان … خطوات على مسرح السياسة الدولية

 

لمياء موسى

*تأتي زيارة رئيس مجلس الوزراء السوداني إلى المملكة المتحدة والفاتيكان وتركيا في لحظة سياسية فارقة من تاريخ السودان، تتزامن مع استمرار تداعيات الحرب وتزايد الحاجة إلى إعادة بناء الدولة واستعادة توازنها السياسي والاقتصادي.

*وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى هذه الجولة بوصفها نشاطاً دبلوماسياً اعتيادياً، بل باعتبارها جزءاً من مسعى أوسع لإعادة تعريف موقع السودان في محيطه الإقليمي والدولي، وتوسيع هامش حركته السياسية في ظل بيئة دولية تشهد تحولات متسارعة في موازين النفوذ وأولويات الفاعلين الدوليين.

*يشهد السودان مرحلةً حرجة تُعدّ من أعقد المنعطفات في تاريخه الحديث منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل-نيسان 2023، الذي أفضى إلى تداعيات جسيمة مست الأوضاع السياسية والإنسانية والاقتصادية والأمنية، حتى بات يشكّل تهديداً مباشراً لركائز الدولة واستقرارها، ويضع وحدة المجتمع والسلم الوطني أمام اختبار مصيري غير مسبوق.

*وبينما أفرزت التطورات الميدانية تغيرات مهمة في ميزان السيطرة على الأرض، فإن الأزمة ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، وما تزال بؤر التوتر والاضطراب الأمني قائمة، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة قادرة على معالجة جذور الصراع واستعادة الاستقرار المستدام.

*ومن هذا المنطلق، تبرز الدبلوماسية كأحد المسارات المساندة للجهد الوطني، ليس باعتبارها بديلاً عن الحلول الداخلية، وإنما أداة لتوفير بيئة دولية أكثر دعماً لمسارات السلام والتعافي وإعادة الإعمار.. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الجولة الخارجية الأخيرة باعتبارها محاولة للتحرك على ثلاثة مستويات متكاملة: المستوى السياسي، والمستوى الإنساني الرمزي، والمستوى الاقتصادي التنموي.

*وفي هذا السياق، برز البعد السياسي للجولة بوضوح من خلال زيارة المملكة المتحدة، إذ تستهدف إعادة تموضع السودان ضمن دوائر التأثير الدولي الفاعلة، ولا سيما في الفضاء الغربي الذي يضطلع بدور مؤثر في قضايا الأمن والسلم الدوليين، وسياسات العقوبات، وبرامج الدعم التنموي والإنساني.. ولا تقتصر دلالات هذه الزيارة على بعدها البروتوكولي، بل تمتد إلى محاولة ترسيخ أسس جديدة للتفاهم السياسي وإعادة بناء الثقة المتبادلة، انطلاقاً من إدراك الخرطوم أن مسارات التسوية المستقبلية تظل، بدرجات متفاوتة، مرتبطة بمواقف القوى الدولية المؤثرة.

*وقد أتاحت اللقاءات السياسية والأكاديمية التي شهدتها الزيارة تنشيط قنوات الحوار بين الخرطوم ولندن، بعد مرحلة من التراجع في مستوى التواصل، كما وفرت منصة مناسبة لعرض رؤية الحكومة السودانية بشأن معالجة الأزمة الوطنية عبر مسار يرتكز على السلام الشامل وإعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة. وفي الوقت ذاته، أتاحت هذه التحركات فرصة لإبراز الرواية السودانية داخل أوساط فكرية وصانعة للقرار، بما يعزز فهماً أعمق لتعقيدات المشهد السوداني وتحدياته الراهنة.

*ويرى عدد من المراقبين أن الزيارة أسهمت في تعزيز الحضور الدبلوماسي للسودان على الساحة الدولية، وتهيئة بيئة أكثر انفتاحاً للتعاون والشراكات المستقبلية، فضلاً عن دعم جهود التعافي والاستقرار. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تُقاس بعدد اللقاءات أو مستوى التمثيل فيها، وإنما بمدى قدرتها على ترجمة التفاعل السياسي إلى التزامات عملية وآليات دعم مؤثرة تسهم في دفع مسار التسوية إلى الأمام.

*أما محطة الفاتيكان، فقد مثّلت البعد الإنساني والأخلاقي في التحرك الدبلوماسي السوداني، إذ تتجاوز الأبعاد السياسية التقليدية لتلامس المجال الإنساني والأخلاقي الذي بات يشكل أحد المؤثرات الرئيسة في العلاقات الدولية. فالمكانة المعنوية التي يتمتع بها الفاتيكان تمنحه قدرة خاصة على التأثير في الرأي العام الدولي، وفي القضايا المرتبطة بالسلام والكرامة الإنسانية والتضامن مع الشعوب المتضررة من النزاعات. ومن هذا المنطلق، شكلت الزيارة فرصة لإبراز التزام السودان بقيم التعايش والسلم الأهلي واحترام التنوع الديني والثقافي.

*كما تناولت المباحثات عدداً من القضايا ذات الطابع الإنساني، من بينها دعم مسارات السلام، وتيسير وصول المساعدات إلى المحتاجين، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية والدينية المعنية بالشأن الإنساني. وبذلك، سعت الخرطوم إلى توظيف أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الإنسانية لتعزيز حضورها الخارجي وبناء خطاب يرتكز على المسؤولية المشتركة تجاه الأمن والاستقرار وحماية الإنسان.

*ومع ذلك، فإن القيمة الرمزية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لإحداث تحول سياسي مستدام ما لم تسندها إجراءات ملموسة تسهم في تخفيف معاناة المواطنين وترسيخ الاستقرار.

*وفي أنقرة، برزت الأولوية الاقتصادية باعتبارها أحد أهم متطلبات مرحلة ما بعد الحرب، وإعادة الإعمار والتنمية وتعزيز الشراكات الاستثمارية الداعمة للتعافي الوطني، وذلك في إطار أعمال اللجنة العليا المشتركة بين السودان وتركيا بوصفها مظلةً مؤسسية لتفعيل التعاون الثنائي بعد سنوات من التراجع.. وقد تناولت المباحثات مشروعاتٍ استراتيجية في قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة والنفط والبنية التحتية، إلى جانب تفاهمات لإقامة شراكات إنتاجية تعزز النمو وتوفر فرص العمل وتستثمر الموارد الوطنية. وتستند أهمية الزيارة إلى ثقل تركيا الإقليمي وخبراتها الاستثمارية والصناعية وقدراتها اللوجستية وشبكة علاقاتها الأفريقية وروابطها التاريخية مع السودان، بما يعزز التوافق على توسيع التعاون ونقل التكنولوجيا والخبرات ودعم التنمية المستدامة. ويُعد استئناف اللجنة الاقتصادية المشتركة بعد تسع سنوات مؤشراً على إعادة تفعيل الأطر المؤسسية، بما يرسخ شراكة أكثر استقراراً وفاعلية.

*ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة ستظل مرهونة بقدرة الدولة على ضبط توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي وتجنب إعادة إنتاج التبعية في قطاعات استراتيجية.

*وعند النظر إلى المحطات الثلاث مجتمعة، يتضح أنها لم تكن وجهات منفصلة بقدر ما مثلت أضلاع استراتيجية دبلوماسية واحدة.. فالمملكة المتحدة تعكس السعي إلى تعزيز الحضور السياسي في دوائر التأثير الدولي، بينما يجسد الفاتيكان البعد الأخلاقي والإنساني للسياسة الخارجية السودانية، في حين تمثل تركيا بوابة لتعزيز فرص التنمية وإعادة الإعمار. وبهذا المعنى، سعت الخرطوم إلى الجمع بين الشرعية السياسية والشرعية الرمزية والفرص الاقتصادية ضمن إطار متكامل يخدم أهداف الدولة في هذه المرحلة الحساسة.

*وفي الختام، فالتقييم الموضوعي لهذه الجولة يقتضي التمييز بين أهمية التحرك الدبلوماسي في حد ذاته وبين نتائجه الفعلية.

*إذ إن جدوى الدبلوماسية لا تُقاس بكثافة اللقاءات والزيارات، وإنما بما تُحدثه من أثر فعلي في استقرار الدولة ورفاه مواطنيها، وما تفتحه من آفاق تعاون وفرص تسهم في تعزيز مكانة السودان إقليمياً ودولياً

*وعليه، فإنه لا يمكن، من الناحية القانونية والدبلوماسية الدقيقة، الجزم بأن هذه الزيارات قد أثمرت أو لم تُثمر بصورة نهائية في هذه المرحلة، باعتبار أن تقييم المخرجات الدبلوماسية يظل مرتبطاً بما يُنجز فعلياً من التزامات واتفاقات قابلة للتنفيذ، وما يترتب عليها من انعكاسات ملموسة على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية، لا بمجرد انعقادها أو ما صاحبها من لقاءات. ومن ثم، فإن هذه الزيارات تُعد، في وضعها الراهن، خطوةً تمهيدية في مسار إعادة الانفتاح وبناء الثقة الدولية، بينما يبقى الحكم على مردودها النهائي معلقاً على ما سيتم ترجمته لاحقاً إلى نتائج قابلة للقياس والتنفيذ.

* كاتبة مصرية مقيمة في لندن