آخر الأخبار

بورتسودان .. مدينة تحت خط العطش (2)

  • مشاهد مؤلمة تجسد تراجيديا العطش
  • إنهيار سد اربعات تسبب في ظهور إقتصاد العطش
  • إرتفاع غير مسبوق لمهنة السقايين .. ومياه التحلية للأغنياء فقط
  • السقايون: نشتري المياه من الآبار (غالية) ونصرف يوميا 15 ألف جنيه أجرة الحمار والعليقة
  • مواطنون: إنتقال المركز من الخرطوم لبورتسودان فاقم أزمة المياه

تحقيق ــ التاج عثمان:
إقتصاد العطش أخطر من إقتصاد الحرب كلاهما مُر وقاسي على المواطنين خاصة الفقراء.. إقتصاد العطش مصطلح إقتصادي تولد وترعرع بمدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر، وتولد منه مصطلح آخر يعرف بـ(أثرياء العطش).. شبكات تسيطر على تجارة المياه العذبة ببورتسودان ومدن البحر الأحمر الأخرى.. أثناء زياراتي الصحفية لمدينة الثغر كان محور إهتمامي أزمة المياه ببورتسودان وعبرها تحصلت على معلومات غريبة لا تصدق عن مافيا المياه التي تسعى بكل ما اوتيت من جشع الإبقاء على بورتسودان تعيش تحت خط العطش ولو بسرقة المياه.. والاسئلة التي يحاول التحقيق التالي الوصول لإجابة شافية ومقنعة لها: لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في إرواء ظماء بورتسودان؟.. وما طبيعة الحلول العاجلة لإحتواء إشكالية المياه الملتهبة والتي أحرقت سكان المدينة بالعطش؟.. وهل تفلح مساعي وزير المالية جبريل إبراهيم الأخيرة في إحتواء مشكلة المياه المزمنة ببورتسودان؟
أسعار المياه:


أسعار المياه الان في يونيو 2026، الجركانة 20 لتر سعرها في حدود (250 ــ 350) الف جنيه.. والبرميل 220 لتر سعره (22 ــ 25 الف جنيه).. وأعلى سعر للمياه بأحياء: (القادسية ــ دار النعيم ــ الإنقاذ)، بواقع 300 جنيه للباقة، لأن هذه الاحياء تعد الأفقر والأبعد من الآبار.. بينما: (سلالاب وديم العرب)، سعر الباقة من السقايين فيهما في حدود (250 ــ 280) جنيه لانها اقرب للآبار..اما ديم مدينة والسوق فسعر الباقة فيهما في حدود: (200 ــ 250) جنيه من السقايين، واحيانا تصلهم مياه الشبكة في فترات متقطعة.. اما معسكرت النازحين شرق سواكن، فسعر الباقة الواحدة فيها 350 جنيه.
علما انه قبل إنهيار سد أربعات في أغسطس 2024، كان سعر الباقة 20 لتر في حدود (80 ــ 100) جنيه، والبرميل (4 ــ 6) ألف جنيه.. وهذا الشهر في يونيو 2026 قفز سعر الباقة 20 لتر إلى (250 ــ 350) جنيه، والبرميل (22 ــ 25) ألف جنيه، أي بزيادة 300% خلال سنتين فقط.. بينما السقايين، وهم باعة المياه بالكاروهات، يدافعون عن أنفسهم بقولهم: نشتري المياه من عمال الآبار بسعر مرتفع ونصرف يوميا 15 ألف جنيه أجرة الحمار والعليقة.
وكما علمت، فإن هذه الأسعار غير رسمية وغير ثابتة، ففي الساعة السادسة صباحا ينخفض سعر الباقة من السقايين إلى 250 جنيه، وبعد الظهر يرتفع سعرها إلى 350 جنيه، فالسقايين يتحكمون في سعر المياه حسب حوجة المواطنين وعند إرتفاع درجات الحرارة.. ولكن أين حماية المستهلك؟.. فمهمتها مراقبة محطات المياه المرخصة، وليس لديها سلطة على السوق الأسود للمياه، اما المياه الملوثة بالطحالب والأعشاب فمهمة وزارة الصحة.
إقتصاد العطش:
عدد من سكان بورتسودان يرون ان ما فاقم من مشكلة المياه ببورتسودان نزوح 350 الف للمدينة، بينما عدد سكانها يقدر بنصف مليون مواطن.. ويرى آخرون: مشكلة مياه بورتسودان لم تجد الإهتمام الكافي من الحكومات المتعاقبة لذلك ظلت الحلول حبيسة أدراج المسؤولين، والذين يتخذون من التمويل شماعة.. وحين إنتقل المركز لبورتسودان عقب حرب الخرطوم كنا نعتقد ان الحكومة السودانية الموجودة ببورتسودان سوف تفكر جديا في الحلول الآنية والمستقبلية لمشكلة العطش بعاصمة البحر الأحمر، لكن صراحة إنتقال المركز من الخرطوم لبورتسودان فاقم الأزمة ولم يقدم حلولا تذكر، اللهم سوى أخبار تنشر هنا وهناك ولكن دون فائدة.. فأنظمة الحكم المتعاقبة على السودان منذ الإستقلال ظلت تقدم لأ هل بورتسودان وعودا فقط بتوفير المياه، لكن لم يتحقق منها أي وعد.. حتى الطبيعة ساهمت بأزمة العطش وذلك بعد إنهيار سد اربعات والآبار عام 2024، حيث قفز سعر برميل المياه عبوة 220 لتر على 25 الف جنيه والجركانة من 100 على 300 جنيه
فإنهيار سد اربعات تسبب في ظهور ما يسمى بـ(إقتصاد العطش)، حيث ان الجميع إنخرطوا في تجارة المياه المربحة، ذلك يبدو جليا في وجود الالاف من كاروهات المياه التي تسحبها الدواب، حيث يصطف يوميا الالاف من النساء والاطفال بأحياء بورتسودان الفقيرة منذ الساعات الأولى لليوم في إنتظار كاروهات المياه او التناكر، وهي مياه ملوثة في معظمها إما بتلوث المصدر او من براميل حفظ المياه بالكاروهات القديمة الصدئة من الداخل.. ولذلك أقول انها ظاهرة (إقتصاد العطش) والتي إنفردت بها حاليا مدينة بورتسودان دون غيرها من المدن الأخرى، حيث إنتعشت بصورة ملفتة للإنتباه مهنة السقايين ببورتسودان بسبب ندرة المياه العذبة والإرتفاع غير المعهود في درجات الحرارة هذا الصيف.. والقادرون لجأوا لشراء المياه المعبأة غالية السعر، او شراء مياه التحلية من مصانع تحلية المياه الخاصة التي أصبحت للأغنياء فقط، لشارك بدورها في (إقتصاد العطش) برفع أسعار مياهها بحجة ان معالجة المياه تكلف كثيرا، فأسعارها الحالية تفوق القدرة المالية لمعظم السواد الأعظم من سكان أحياء بورتسودان ومعظمهم عمال في الميناء او الحرف الأخرى، حتى الموظفين من محدودي الدخل ليس في مقدورهم شرائها، ولذلك يلجأون لشراء مياه الكاروهات او السقايين فهي أرحم لهم ولمرتباتهم الضئيلة رغم مخاطرها الصحية.
مشهد مؤلم:


حكاية الرجل المسن والماعز مع العطش، تعد من اكثر المشاهد المؤلمة والمأسوية والتي تمثل (تراجيديا العطش) بولاية البحر الأحمر.. فقبل سنوات كنت في زيارة صحفية لأحد الآبار الخلوية البعيدة من مدينة بورتسودان والتي يقصدها أصحاب تناكر المياه للتزود منها وبيعها للمواطنين بالأحياء المختلفة، وفي الطريق شاهدت رجلا مسنا وبجانبه ماعز صغير (سخله)، يضع امامه قربة صنعها من الإطار الداخلي لعربة، يجلس وحيدا مع سخلته بمنطقة خلوية صحراوية، فطلبت من السائق التوقف وتوجهت إليه وسألته.
ما هي وجهتك حتى نوصلك؟
ــ اجابني بصوت ضعيف: لا أرغب في توصيلة، بل انا عطشان أرغب في ماء انا وسخلتي.
وكيف ستحصل على المياه وانت تجلس وحيدا مع سخلتك في هذا الخلاء؟
ــ أجاب: إنتظر تناكر المياه القادمة من الآبار في طريقها لسنكات فهي تمر عبر هذا الطريق الذي أجلس بجانبه.
* ومن أين جئت؟
ــ من قريتي بعد ان قطعت مسافة طويلة سيرا على أقدامي لساعتين، لأصل لهذا الطريق للتزود بالماء من التناكر القادمة من البئر مزودة بالمياه لبيعها بسنكات.
حقيقة تألمت من مشهد المسن الذي يتسول المياه من التناكر العابرة ومعاناته مع المياه والتي تجسد (تراجيديا العطش) بولاية البحر الأحمر، وقدمنا له كل قارورات المياه المعبأة التي كنا نتزود بها في رحلتنا الصحفية، وإحتفظنا بقارورة واحدة فقط تكفينا حتى العودة لبورتسودان.. هذا مشهد مؤلم كنت شخصيا شاهد عيان عليه، ومشاهد العطش كثيرة ومؤلمة تكتوي بويلاتها معظم الأسر بعاصمة البحر الأحمر خاصة أريافها.
الحلقة القادمة:
ــ عصابات منظمة تقوم بسرقة مياه خط اربعات.
ــ هوشيري .. تتعرض العام الماضي فقط لـ(14) حالة كسر بهدف سرقة المياه.
ــ 12 ألف متر مكعب حجم المياه المسروقه من خط (أربعات ــ بورتسودان) يوميا بمشاركة (300) جبادة.