آخر الأخبار

بورتسودان .. مدينة تحت خط العطش(1)

  • إمبراطورية التناكر والكاروهات تسيطر على إقتصاد المياه ببورتسودان
  • 25 ألف جنيه لبرميل المياه و350 للباقة في يونيو الحالي
  • سلالاب،القادسية، ديم سواكن، ديم مدينة أكثر الأحياء عطشا
  • نازح: إعترضنا على تلوث المياه بالطحالب فقال لنا سائق تانكر: (الما عاجبو يشرب من البحر)

تحقيق ــ التاج عثمان:
إقتصاد العطش أخطر من إقتصاد الحرب كلاهما مُر وقاسي على المواطنين خاصة الفقراء.. إقتصاد العطش مصطلح إقتصادي تولد من رحم العطش وترعرع بمدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر ونتج منه مصطلح آخر يعرف بـ(أثرياء العطش).. شبكات او بصريح العبارة (مافيا) تسيطر على تجارة المياه العذبة ببورتسودان ومدن البحر الأحمر الأخرى.. أثناء زياراتي الصحفيةالمتكررة لمدينة الثغر كان محور إهتمامي دائما أزمة المياه ببورتسودان وعبرها تحصلت على معلومات غريبة لا تصدق عن إمبراطورية التناكر والكاروهات.. مافيا المياه تسعى بكل ما اوتيت من جشع الإبقاء على بورتسودان مدينة تعيش تحت خط العطش.. أسئلة وتساولات يحاول التحقيق التالي الوصول لإجابة شافية ومقنعة لها: لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في إرواء ظماء بورتسودان؟.. وما طبيعة الحلول العاجلة لإحتواء إشكالية المياه الملتهبة والتي أحرقت سكان المدينة العطشى؟.. وهل تفلح مساعي وزير المالية جبريل إبراهيم الأخيرة في إحتواء مشكلة المياه المزمنة ببورتسودان ولو مؤقتا؟
إمبراطورية الكاروهات:


مواطن يمتلك مئات كاروهات المياه يقوم بتأجيرها للصبية من باعة المياه باليوم، يأتون إليه صباح كل يوم ويقومون بإستئجار الكاروهات ثم يذهبون لجلب المياه من المصادر وبيعها للمواطنين من سكان الأحياء الفقيرة، ويعودون عند المغيب لمالك الكاروهات ويدفعون له قيمة الإيجار وقتها عند آخر زيارة لي للمدينة العطشى، كان يتحصل منهم الف جنيه كإيجار يومي للكارو الواحد، وبالطبع الأن تضاعف هذا الرقم كثيرا، فالجركانة قفز سعرها من 100 إلى 300 جنيه، وبرميل المياه عبوة 220 لتر وصل سعره 25 الف جنيه.. وفي الصيف يصبح المشهد أكثر تفاقما، مئات المواطنين بأحياء بورتسودان الفقيرة يضعون باقاتهم وجرادلهم في صفوف طويلة إنتظارا لوصول كاروهات المياه والتي تعبئ هي الأخرى من التناكر القادمة من سد اربعات، وفي الصيف عندما ينضب منسوب السد بعض أصحاب التناكر يجلبونها من مدينة كسلا بأسعار خرافية.. وفرة المياه العذبة وديمومتها تحولت إلى حُلم لسكان المدينة العطشى، كل الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال لم تفلح في إرواء ظمأ أهلنا ببورتسودان ومدن البحر الأحمر الأخرى.
مياه الصحة المعبأة وتلك التي تنتجها مصانع تحلية المياه، تجسد بوضوح (إقتصاد العطش)، حيث تحولت المياه لتجارة رابحة على حساب سكان الولاية الذين يناهز عددهم نصف المليون بجانب 350 ألف نازح تدفقوا لها من بعض المدن الأخرى بسبب الحرب، ليجدوا أنفسهم تحت رحمة مافيا المياه.. نازح حكى معاناة النازحين من شح المياه بمعسكرات النزوح باطراف مدينة يورتسودان بقوله:
أصحاب التناكر والكاروهات أصبحوا يستغلون النازحين ويجلبون لهم مياها غير صالحة للشرب يميل لونها للون الأخضر وتسبح داخلها أعشاب صغيرة، وعند شربها يصاب الشخص بتقلصات في البطن وإسهال حاد والبعض يصاب بحالة قئ، رغم انهم يدفعون مبالغ كبيرة مقابل مياه ملوثة.. وكما قال لي أحد سائقي التناكر عندما ابديت إحتجاجي وإستنكاري لبيعهم النازحين مياها فاسدة لا تصلح حتى لسقيا الحيوانات.. فاجابني بإستخفاف وإزدراء واضحين: (الما عاجبو يشرب من البحر)، ولا أدري ماذا يقصد من البحر، هل يقصد البحر الأحمر المالح ام ان هناك بحر عذب ببورتسودان؟..مزاعم النازحين بتلوث المياه أكدتها مسؤولة الطوارئ بوزارة الصحة ولاية البحر الأحمر،ليلى حمد النيل، بتصريحها لصحيفة، الشرق الأوسط السعودية، إذ قالت
نناشد المواطنين غلي الماء قبل الشرب، فالمياه المنقولة عبر العربات التي تجرها الدواب ــ تقصد الكاروهات ــ تعتمد على المصدر الذي جلبت منه المياه، ومدى نظافة وسيلة النقل، لذلك يجب تنظيم مراقبة دورية ورفع الوعي الصحي والتأكد من معالجة المياه بالكلور.
مواطن من السكان المحليين وصف مياه بورتسودان بقوله: المياه الموجودة في بورتسودان صالحة لكل شيئ إلا الشرب.. أحد النازحين من ميسوري الحال ماديا ويقيم بأحد الفنادق قال: أنفقت كل مالي في شراء مياه الصحة غالية السعر، ما إضطرني مغادرة بورتسودان سريعا على غير رجعة لمدينة أخرى لا تعاني العطش والذي قبل حضوري كنت اسمع به سمعا لكن عند نزوحي عانيت وأسرتي من العطش بعد ن أنفقت معظم مالي على المياه المعبأة.
أحياء العطش:
أحياء بعينها بمدينة بورتسودان تعاني معاناة قاسية ومأساوية من إنعدام المياه وتعيش تحت خط العطش، معظمها من الأحياء الجنوبية لمدينة بورتسودان، وهي أحياء:
ــ القادسية: وهي حي طرفي شبكتها ضعيفة أصلا، إستقبلت اثناء الحرب أعدادا كبيرة من النازحين خاصة من العاصمة الخرطوم وود مدني وسنجه.. النازحون هناك يعتمدون على مياه الكاروهات والتناكر، يقولون انها ــ في معظمها ــ مياها ملوثة غير صالحة للشرب.. أحد سكان حي القادسية قال:
أشتري الجركانة الواحدة عبوة 22 لتر بمبلغ 300 جنيه، رغم انها ملوثة بالطحالب لكننا نشربها غصبا عنا، ولو فكرت في غليها كما قالت لنا موظفة بوزارة الصحة، فسعر أسطوانة الغاز ليس في إستطاعتنا، يعني يا نموت من العطش، يا من الإسهالات، يا من الجوع.
ــ سلالاب: وإسمها يرتبط بسد سلالاب، لكنها عطشى، حيث ان السد نفسه يعاني العطش ويحتاج لتأهيل حسب تصريح وزارة المالية في سبتمبر 2024، فالخطوط الخارجة من السد لبورتسودان غير مكتملة، ومعظم سكان سلالاب عمال يعملون في الميناء ودخلهم محدود ولذلك لا يستطيعون شراء براميل المياه من التناكر التي تجاوز سعر البرميل الواحد الأن ونحن في يونيو قمة صيف بورتسودان الحارق.
ــ دار النعيم والإنقاذ، تقعان جنوب المدينة، وذات كثافة سكانية عالية، سكانها يعتمدون في المياه على السقايين، وتفاقم وضعها بعد إستقبالها الاف النازحين.
ــ أحياء شرق بورتسودان: وهي عبارة عن معسكرات للنازحين، منها معسكر شرق المدينة جهة أطراف سواكن.. سكانها يقولون: السقايين يجلبون لنا عبر الكاروهات مياها خضراء اللون بسبب تلوثها بالطحالب والأعشاب تسبح داخلها الديدان، ورغما عن ذلك فهم مجبرون على شرائها وشربها بسعر الجركانة الواحدة 300 جنيه، وعندما شكونا نصحتنا وزارة الصحة بغلي الماء قبل شربها، ونتسائل: أين هو الغاز الذي نغلي به الماء بسعره الغالي؟.
ــ حي المطار القديم: ينطبق على سكانه قول أحد المسؤولين: الفقراء هم ضحايا العطش ببورتسودان.
ــ إحياء الوسط: منها ديم مدينة، وبها شبكة وهو حي تجاري سكانه يعتبرون من الطبقة الوسطى وقبل الحرب، كما ذكر لي بعض سكانه: الموية قبل الحرب كانت تجينا يوم بعد يوم، والان الشبكة مضروبة، والآبار القريبة منا غرقت بعد إنهيار السد.. نحن نعاني معاناة قاسية من شح المياه.
ــ ديم سواكن، وديم العرب: وهما منطقتان مرتفعتان بها شبكة لكن مياهها لا تصل لمعظم سكانها، وأصبحت تعتمد على السقايين.. وكما قال لي أحد السكان: الغني يشتري محطة تحلية منزلية، اما الفقير فيشرب المياه الملوثة الخضراء بفعل الطحالب.. صراحة الأحياء الطرفية ببورتسودان أصبحت في آخر الأولويات لحكومة البحر الاحمر.
الحلقة القادمة:
ــ إقتصاد العطش يسيطر على عاصمة البحر الأحمر.
ــ هل هناك جهات خفية تعرقل مشاريع المياه ببورتسودان؟.
ــ لماذا فشل مشروع تغذية بورتسودان بالمياه العذبة من النيل بعطبرة؟.
ــ هذه أسباب إنسحاب بارجة التحلية التركية التي تنتج (50) ألف متر مكعب مياه في اليوم لمدينة بورتسودان؟.
ــ النازحون يفاقمون مشكلة المياه بمدينة الثغر.