إمرأة لقى زوجها مصرعه دهسا في حادث مروري.. تتسائل بحُرقة هل دية (330) ألف جنيه تكفي لشراء حليب لطفلي الرضيع؟
زوجة لقى زوجها مصرعه دهسا في حادث مروري، وترك لها خمسة أطفال بينهم رضيع،
حكمت لها إحدى المحاكم بدية مقدارها (330) ألف جنيه، وتتسائل المرأة بحرقة وكلمات يطفح منها الآسى عن فائدة هذا المبلغ لها، هل سيكفي لشراء حليب لطفلها الرضيع بينما قرر لها الشرع مائة من الإبل؟.. الزوجة طلبت مساعدة القانونيين لإنصافها وتمكينها من حقها الشرعي في وفاة زوجها.. الأستاذ، (أبو ذر بشير) المحامي يعلق على حيثيات هذا الحكم بقوله:
للأسف، فإن ما قررته المحكمة التي أصدرت الحكم يتوافق مع التطبيق الحرفي للقانون الجنائي لسنة 1991 وتعديلاته، فمن ناحية تاريخية، أُدرجت الدية في النظام القانوني السوداني لأول مرة مع صدور قانون العقوبات لسنة 1983، وحُددت قيمتها بمائة من الإبل، وتُرك تحديد مقابلها النقدي لرئيس القضاء بالتشاور مع الجهات المختصة، وهذا ما أخذ به القانون الجنائي لسنة 1991، حيث نص البند (1) من المادة (42) على أن: (الدية مائة من الإبل أو ما يعادل قيمتها من النقود وفق ما يقدره من حين لآخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة).. وظل رئيس القضاء يصدر المنشورات المعدلة لقيمة الدية بين حين وآخر بما يتماشى مع القيمة الحقيقية لثمن مائة من الإبل، وبما يراعي مستويات التضخم وانخفاض قيمة العملة.. وآخر منشور صدر بهذا الخصوص هو المنشور رقم (4) لسنة 2016 الذي عدّل قيمة الدية لتصبح ثلاثمائة وثلاثين ألف جنيه بدلاً عن ثلاثين ألفاً، والدية المغلظة، ثلاثمائة وسبعة وثلاثين ألف جنيه بدلاً عن أربعين ألفاً
في العام 2020 صدر تعديل للقانون الجنائي لسنة 1991 شمل عدداً من المواد، سُحبت بموجبه سلطة رئيس القضاء في تقدير الدية، ونص على أن تُحدد الدية بموجب قانون، ومن ثم لم يعد من بين صلاحيات رئيس القضاء تقدير الدية.. وإستمر الوضع على هذا النحو، فرفع رئيس القضاء يده عن تحديد الدية، ولم يصدر قانون لتصحيح الوضع حتى أصبحت قيمة الدية لا تكفي لشراء حليب لإرضاع طفل خلال فترة الرضاعةن كما اشارت الأرملة.
أخذت بعض الأنظمة القانونية الأخرى التي تطبق نظام الدية بجواز أن يطلب المضرور تعويضاً إضافياً على الدية لتغطية الأضرار التي لحقت به، واستندت هذه الأنظمة إلى قاعدة أن نظام الدية عقوبة مقررة ديناً، بينما التعويض أمر مدني يهدف إلى جبر الأضرار، بما فيها أضرار غير ورثة القتيل.
إلا أن القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 أغلق هذا الباب، ونص صراحة في البند (4) من المادة (42) على أنه لا يجوز مع الدية إقتضاء أي تعويض آخر عن القتل أو الجراح. وبذلك وضع تعقيداً آخر، على الأقل بالنسبة للورثة، هو عدم جواز اللجوء إلى المقاضاة بطلب التعويض بما يزيل الضرر الذي نشأ من عدم كفاية الدية لتغطية الأضرار.
في ظل هذا الوضع الشائه، فإن أكثر الجهات استفادة هي شركات التأمين، خاصة في قضايا الحوادث المرورية التي تنجم عنها إصابات قاتلة، فالتأمين لصالح المضرورين من الإصابات أمر إجباري وفق قانون السير والمرور، فلا يجوز لأي شخص قيادة مركبة أو السماح بقيادتها ما لم تكن مؤمنة ضد الأخطار التي يتعرض لها الغير أو الممتلكات في إحدى شركات التأمين المسجلة في السودان، والحكمة من هذه القاعدة هي تفادي المخاطر التي يمكن أن تنجم على المصابين، وضمان وجود جهة مستعدة لإزالة الأضرار بصورة مباشرة، هي شركات التأمين.. إلا أن هذه الحكمة التي هدف القانون إلى تحقيقها فقدت قيمتها مع القيود التي أوجدتها تعديلات سنة 2020 على القانون الجنائي لسنة 1991، وترتيب قاعدة أن يتم تحديد الدية بقانون.
الحل لعلاج هذه المشكلة الإنسانية، قبل أن تكون قانونية، هو أن يتم تعديل القانون الجنائي لسنة 1991 على وجه السرعة بمنح جهةٍ صلاحياتِ تحديد قيمة الدية، وليس بالضرورة العودة إلى القاعدة القديمة التي كانت تضع هذه الصلاحية في يد رئيس القضاء، فقاعدة الفصل بين السلطة القضائية والسلطات الأخرى ربما تبرر عدم منحه هذه الصلاحية، وأرى أن يتم تحديد الدية بقرار من مجلس الوزراء بعد توصية من وزير العدل ووزير المالية.
وعلى وزارة العدل أن تتحرك التحرك اللائق الذي توجبه هذه المشكلة الإنسانية، وأن تُعد مسودة تشريع لحلها على وجه السرعة، فالمشكلة واضحة وحلها أوضح ولا تحتاج لكثير دراسات أو مزيد من الوقت المهدر.