آخر الأخبار

الطلمبات وصلت… فهل تتحرك زادنا قبل أن يموت الموسم الزراعي؟

أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد

د. مزمل سليمان حمد

 

*ليس من الإنصاف أن تُبذل جهودٌ كبيرة لتوفير معداتٍ استراتيجية، ثم تتوقف عند بوابات الموانئ، بينما تجف الأرض، وتذبل الأشجار، ويترقب آلاف المزارعين بارقة أمل قد لا تأتي. تلك هي الصورة التي يعيشها اليوم مشروع الأمن الغذائي بالدامر، أحد أكبر المشروعات الزراعية في ولاية نهر النيل، وثاني أكبر مشروع من حيث المساحة بعد مشروع المناصير الجديدة، إذ تمتد مساحته إلى نحو ثلاثين ألف فدان، ويُعوَّل عليه في الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي، وزيادة الإنتاج الزراعي، ودعم الاقتصاد الوطني.

*ومن هذا المنطلق، فإن هذه ليست رسالة احتجاج، وإنما دعوة وطنية صادقة إلى التحرك العاجل، أتوجه بها إلى الأستاذ علي عسكوري، العضو المنتدب لشركة زادنا العالمية، وإلى المهندس عبد الوهاب سليمان وزير الزراعة الجديد بولاية نهر النيل، وإلى كل من تقع على عاتقه مسؤولية إنقاذ هذا المشروع الذي يمثل استثمارًا وطنيًا قبل أن يكون مشروعًا زراعيًا.

 

*لا أحد ينكر الدور الذي تضطلع به شركة زادنا العالمية، ولا يشكك في الأهداف التي أُنشئت من أجلها، والمتمثلة في تعزيز الأمن الغذائي وتعظيم الإنتاج الوطني.. كما لا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي بُذلت لتوفير التمويل اللازم لاستيراد طلمبات الري الجديدة، وهي جهود شاركت فيها جهات عديدة، حتى خرج هذا المشروع إلى النور في ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة. وهذه الجهود تستحق التقدير.

*لكن النجاح لا يُقاس بحسن النوايا، ولا بحجم الأموال التي صُرفت، ولا بعدد الاجتماعات التي عُقدت، وإنما يُقاس بما يصل إلى المزارع على أرض الواقع. فالطلمبة التي لا تُركب لا تروي حقلاً، والمعدة التي تبقى في المخازن لا تنتج قمحًا، والقرارات التي لا تُنفذ لا تصنع أمنًا غذائيًا.

*لقد واجه مشروع الأمن الغذائي بالدامر منذ تأسيسه تحديات كبيرة، كان من أبرزها بعض الإشكالات الفنية في تصميم الترعة الرئيسية، التي يرى عدد من المختصين والمزارعين أنها تحتاج إلى مراجعة هندسية شاملة بعد أن ظهرت آثارها على كفاءة انسياب المياه، الأمر الذي ترتبت عليه خسائر كبيرة، وتراجعت معه كفاءة الري في أجزاء واسعة من المشروع. ثم جاءت تحديات التشغيل والإدارة لتضاعف حجم المعاناة، حتى أصبح المشروع يتحرك ببطء لا يتناسب مع حجمه ولا مع الإمكانات التي رُصدت له.

*واليوم، وبعد أن وصلت الدفعة الأولى من طلمبات الري الجديدة، لا يجوز أن يتوقف الإنجاز عند حدود الميناء الجاف شرقي عطبرة. إن بقاء هذه الطلمبات في ساحات التخزين يعني ببساطة استمرار معاناة المزارعين، وضياع موسم زراعي جديد، بينما الأرض في أمس الحاجة إلى المياه.

*لذلك فإن الأولوية القصوى يجب أن تكون الترحيل الفوري للطلمبات، وتركيبها وتشغيلها، وتوزيعها على المشروعات التي خُصصت لها، وعلى رأسها مشروع الأمن الغذائي بالدامر، مع الإسراع في استكمال بقية الشحنات القادمة من الهند، حتى تعمل جميع محطات الري بكامل طاقتها، ويشعر المزارع بأن ما أُعلن عنه قد تحول إلى واقع.

*ولا بد من إيلاء اهتمام خاص بالترعة خمسة، بفروعها (أ، ب، ج، د)، التي تعيش منذ أشهر أصعب أزماتها بسبب انعدام وصول مياه الري، حتى أصبحت آلاف الأفدنة ميته بالعطش والخروج من دائرة الإنتاج. والحل ليس معقدًا، بل يتمثل في التعجيل بتركيب جزء من الطلمبات الجديدة بمحطة الضخ الجديدة بمنطقة (الشيخ طاهر) شرق المشروع، مع الإسراع في تطهير الترعة ورفع كفاءتها، حتى تنساب المياه إلى جميع الفروع بصورة عادلة ومستقرة.

*إن معالجة أزمة الترعة خمسة ليست مطلبًا فئويًا، وإنما خطوة أساسية لإنقاذ جزء كبير من المشروع، وحماية استثمارات ضخمة أنفقت عليها الدولة والمزارعون على حد سواء.. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يحتاج تركيب محطة( الشيخ طاهر) ، وتطهير الترعة، وإيصال المياه إلى كل هذا التأخير، بينما الموسم الزراعي يطرق الأبواب؟.

 

*وللأسف، بلغت حالة الإحباط ببعض المزارعين حد المطالبة بفك ارتباطهم إداريًا بالمشروع، وهي دعوة تعكس عمق الأزمة أكثر مما تعكس رغبة في الانفصال.. ومن حق المزارعين أن يرفعوا صوتهم وأن يطالبوا بحقوقهم، ولا ينبغي أن تُفسر مطالبهم باعتبارات سياسية أو أن تُلصق بهم أوصاف لا تخدم القضية.. فالقضية في جوهرها قضية ماء وإنتاج ومعاش، وليست قضية صراع أو استقطاب سياسي.

 

*ولا تقل قضية الطاقة أهمية عن قضية الطلمبات.. فنجاح المشروع لن يتحقق إذا ظلت محطات الري رهينة لانقطاع الكهرباء.. وقد فرضت الظروف التي مرت بها البلاد واقعًا جديدًا أصبحت فيه الأولوية لتوفير الكهرباء لمياه الشرب والمستشفيات والخدمات الأساسية.. ومن ثم فإن التعويل على الشبكة القومية وحدها لتشغيل محطات الري لم يعد خيارًا عمليًا.

*ولهذا فإن إدخال منظومات الطاقة الشمسية لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية.. فهي تضمن استقرار تشغيل الطلمبات، وتخفض تكاليف التشغيل، وتحمي الموسم الزراعي من الانقطاع المفاجئ للكهرباء، وتؤسس لاستدامة المشروع لسنوات طويلة.. وأرى أن تكون البداية بمشروع الأمن الغذائي بالدامر، ثم تعمم التجربة على بقية المشروعات الزراعية في ولاية نهر النيل والسودان.

*كما أتوجه إلى الأخ الصديق المهندس عبد الوهاب سليمان، وزير الزراعة الجديد بولاية نهر النيل، لثقتي الكبيرة في إخلاصه وحرصه، واقول له أخي العزيز الوزير عبدالوهاب المرحلة لا تحتمل الانتظار.. فما تبقى على الموسم الزراعي الجديد إلا فترة قصيرة، وكل يوم يمر دون تجهيز البنية الأساسية يقلل فرص النجاح، ويهدد المغروسات والأشجار المثمرة التي أنفق عليها المزارعون والدولة ملايين الجنيهات، وسيكون فقدانها بسبب العطش خسارة يصعب تعويضها.

*إن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من اللجان، ولا مزيدًا من الوعود، وإنما برنامج تنفيذي عاجل يبدأ بترحيل الطلمبات، وتركيبها، وتشغيل في محطه الضخ الرئيسية بالحديبه ومربط (الشيخ طاهر) بنهر اتبرا ، وتطهير الترعة خمسة، واستكمال بقية الطلمبات، وإطلاق مشروع متكامل للطاقة الشمسية، حتى يتحول المشروع إلى نموذج ناجح يحتذى به.

*إن مشروع الأمن الغذائي بالدامر ليس مشروعًا محليًا يخص مزارعي المنطقة وحدهم، بل هو مشروع قومي بكل المقاييس. وكل فدان يدخل دائرة الإنتاج يخفف الضغط على الاقتصاد الوطني، ويزيد إنتاج الغذاء، ويوفر فرص عمل، ويعزز قدرة السودان على تحقيق أمنه الغذائي. ولذلك فإن أي تأخير في تنفيذ هذه المعالجات لا يعني خسارة موسم واحد فحسب، بل يعني إهدار استثمارات كبيرة وفرص إنتاج يحتاج إليها الوطن.

*لقد وصلت الطلمبات بعد سنوات طويلة من الانتظار، ولم يعد مقبولًا أن تبقى حبيسة( الميناء الجاف)، بينما الأرض عطشى، والمزارعون ينتظرون، والموسم الزراعي يوشك أن يبدأ.. إن التاريخ لا يذكر من اشترى الطلمبات، وإنما يذكر من شغّلها، ولا يذكر من أعلن المشروعات، وإنما يذكر من أنجزها.

*واليوم تقف شركة زادنا ووزارة الزراعة أمام اختبار حقيقي.. فإما أن تتحول هذه الطلمبات إلى ماء يجري في الترع، وإنتاج يملأ الحقول، وأمل يعود إلى المزارعين، وإما أن تضيع فرصة أخرى كان يمكن أن تشكل نقطة تحول في مسيرة هذا المشروع.

*لقد حان وقت القرار، وحان وقت التنفيذ. فالأرض لا تنتظر، والماء لا يؤجل، والزراعة لا ترحم المتأخرين، والأمن الغذائي لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة، والإدارة الرشيدة، وسرعة الإنجاز.