
شرق كردفان… ولاية مؤجلة واستحقاق لا يحتمل مزيداً من التأجيل
بقلم: الدكتور البشير الحسن أبونخل
لم تعد المطالبة بقيام ولاية شرق كردفان مجرد رغبة إدارية أو مطلباً جهوياً عابراً، وإنما أصبحت قضية تنموية ووطنية تستند إلى معايير موضوعية تتعلق بحسن إدارة الموارد، وعدالة توزيع التنمية، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والأمني.
فالمنطقة الشرقية من ولاية جنوب كردفان تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون ولاية قائمة بذاتها وفق المعايير القانونية والإدارية والاقتصادية والديمغرافية. فهي تزخر بموارد بشرية كبيرة، وأراضٍ زراعية واسعة، وثروة حيوانية ضخمة، ومعادن متنوعة، إلى جانب معدلات أمطار كافية تدعم النشاطين الزراعي والرعوي، بما يجعلها من أكثر المناطق السودانية امتلاكاً لمقومات التنمية والإنتاج إذا ما أُحسن استثمار مواردها وإدارتها.
ورغم هذه الإمكانات الهائلة، لا يزال مواطن المنطقة يعيش واقعاً تنموياً بالغ القسوة. فلا توجد شبكة طرق قومية معبدة تربط مدن ومناطق المنطقة الشرقية ببعضها ثم بالولايات المجاورة، كما لم تصل الكهرباء القومية إلى أي منطقة من مناطقها حتى اليوم، فضلاً عن التدهور الكبير في خدمات الصحة والتعليم، وندرة مياه الشرب النقية، وضعف شبكات الاتصالات والخدمات الأساسية الأخرى. ومن المؤسف أن منطقة تمتلك هذا القدر من الموارد والثروات لا تزال محرومة من أبسط مقومات التنمية الحديثة، وهو واقع لا ينسجم مع مبادئ العدالة في توزيع الموارد والخدمات.
إن الشعور المتنامي لدى مواطني المنطقة الشرقية بأن منطقتهم لم تنل نصيبها العادل من التنمية، رغم ما تقدمه من موارد وإمكانات، يستحق أن يُنظر إليه بجدية ومسؤولية. ويزداد هذا الشعور مع الاعتقاد السائد لدى مواطني المنطقة بأن الجزء الغربي من الولاية حظي بالنصيب الأكبر من المشروعات التنموية والخدمات العامة، في حين ظلت المنطقة الشرقية، رغم مواردها الكبيرة، بعيدة عن أولويات التنمية. ومهما كانت المبررات، فإن استمرار هذا الاختلال يخلق إحساساً بالتهميش والإقصاء لا ينبغي الاستهانة به في بلد يسعى إلى ترسيخ السلام والاستقرار.
لقد آن الأوان لأن تُدار الدولة بعقلية العدالة لا بعقلية موازين النفوذ. فلا ينبغي أن تُوجَّه التنمية والخدمات وفق اعتبارات القوة السياسية أو النفوذ الإداري أو الضغوط الأمنية، وإنما وفق معايير الإنصاف والكثافة السكانية والإسهام الاقتصادي واحتياجات المواطنين. فالدولة الرشيدة لا تميز بين مواطنيها، ولا تجعل بعض المناطق أكثر حظاً في التنمية لأنها تمتلك نفوذاً أكبر أو صوتاً أعلى.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً، خاصة وأن المنطقة الشرقية ظلت لعقود طويلة تمثل رافداً مهماً للاقتصاد الوطني بما تمتلكه من ثروات زراعية وحيوانية ومعدنية، بينما بقي مواطنها ينتظر أبسط حقوقه في التنمية. ولا يُعقل أن تُستخرج الموارد من أرض المنطقة، ثم تعود إليها بأقل القليل من الخدمات أو مشروعات البنية التحتية. فالعدالة تقتضي أن يكون للمجتمعات المنتجة نصيبٌ عادل من ثمار مواردها، وأن تصبح التنمية حقاً للمواطن لا منحةً تُمنح أو تُحجب.
إن قيام ولاية شرق كردفان لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة تنموية واستراتيجية. فالإدارة المحلية الأقرب إلى المواطنين ستكون أكثر قدرة على التخطيط، واستثمار الموارد، وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية المتوازنة التي طال انتظارها. كما أن استحداث الولاية سيمنح مؤسساتها التنفيذية والإدارية القدرة على اتخاذ القرار وفق أولويات المنطقة، بعيداً عن المركزية التي أثبتت التجربة محدودية قدرتها على تلبية احتياجات شرق الولاية.
كما أن تجاهل هذا الملف في هذه المرحلة الحساسة قد لا تكون عواقبه محصورة في الجانب الخدمي فحسب، بل قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والأمني. فالتاريخ يعلمنا أن الإحساس المستمر بالغبن والتهميش، إذا لم يجد معالجة حكيمة وعادلة، قد يتحول إلى احتقان يصعب احتواؤه. ومن الحكمة أن تُعالج أسباب التذمر قبل أن تتفاقم، وأن يُفتح باب الحوار الجاد مع القيادات المجتمعية وأبناء المنطقة للوصول إلى حلول تحفظ الاستقرار وتعزز الوحدة الوطنية.
إن تعيين المسؤولين حق أصيل للدولة، لكن الحكمة السياسية تقتضي أيضاً مراعاة التوازنات المحلية، والإنصات لمشاعر المواطنين، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة تنموية وتراكمات تاريخية. فالمشاركة والعدالة والتمثيل المنصف عوامل تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتدعم مشروع بناء السودان على أسس المواطنة والإنصاف.
إن صرخة المنطقة الشرقية من ولاية جنوب كردفان اليوم ليست دعوة إلى الانقسام، ولا خروجاً على الدولة، وإنما هي نداء صادق من أجل العدالة، والتنمية المتوازنة، والإدارة الرشيدة. والاستجابة لهذا النداء ستكون استثماراً في الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية، قبل أن تكون استجابة لمطلب إداري.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، فإن قيام ولاية شرق كردفان يمثل استحقاقاً وطنياً وتنموياً، ينسجم مع مبادئ العدالة، ويعزز كفاءة الإدارة، ويمنح ملايين المواطنين فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبلهم، ويضيف للسودان ولاية قادرة على الإسهام بمواردها وإمكاناتها في نهضته واستقراره.
إن العدالة في السودان لا تُقاس بعدد الولايات فحسب، وإنما بقدرة الدولة على إيصال التنمية والخدمات إلى كل مواطن أينما كان. والمنطقة الشرقية لا تطلب امتيازاً خاصاً، وإنما تطالب بحق مشروع تأخر كثيراً، وحان الوقت لأن يتحول هذا الحق إلى واقع يرسخ الاستقرار، ويحقق التنمية، ويعزز وحدة الوطن.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل