
ثورات وقودها الناس والحجارةثورات وقودها الناس والحجارة
بعد .. و .. مسافة
مصطفى أبو العزائم
*بالأمس مرت الذكرى السابعة والخمسين لثورة الفاتح من سبتمبر الليبية التي قادها العقيد معمر القذافي متأثرا بالإنقلالبات العسكرية في المنطقة العربية الناتجة عن أثر ثورة يوليو المصرية الداعية للقومية العربية بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر..تلك الثورات إنتهت بإنطلاق الشرارة الأولى لما تعارفنا على تسميته بـ(ثورات الربيع العربي) وقد كنت متوجساً من نتائجها المتوقعة ، لذلك كنت ضد التغيير العنيف، خاصةً في مصر، ويشهد لنا بذلك ما كتبناه حول هذا الأمر في (بعد ومسافة) أيام الثورة على الرئيس الأسبق حسني مبارك، بحسبان أن الرجل يعتبر من أبطال حرب أكتوبر 1973، أو حرب رمضان وكان قائداً لسلاح الجو المصري، لكن مع ذلك كنا نأمل في أن تحدث بعض التنازلات من قبل القيادات الحاكمة في مصر، وقبلها في تونس ثم ليبيا، وكنا نشير إلى أن عدم حدوث ذلك سيقود حتماً إلى فوضى مدمرة في تلك الأقطار الشقيقة ، تمتد آثارها إلى كل المنطقة ، ولم تخيب نتائج الأحداث توقعاتنا.
*ظهرت تحالفات معلنة، وأخرى سرية لدعم ومساندة تلك الثورات، وإستغل أصحاب الأجندة من ذوي الإرتباطات بـ(النظام العالمي الجديد)، إستغلوا الجماعات المتناحرة والثائرة، لضرب الأنظمة القائمة ، ثم إستغلوها لاحقاً لضرب بعضها البعض ، ولعل ليبيا هي النموذج الأمثل والحي لما ذهبنا إليه.
*وكان شهر فبراير هو شهر التغيير في ليبيا عام 2011م الذي أطاحت فيه ثورة شعبية عارمة بنظام العقيد معمر القذافي الذي كان نموذجاً حقيقياً وحياً للإستبداد والديكتاتورية، ونموذجاً لأنظمة الرعب القائم على جنون الحاكم، وعدم إيمانه إلا بما يعتقد مع عدم أعترافه بكل (آخر) لا يوالي أو يبالي أو يسترشد بقيم ومفاهيم النظام ، حتى وإن كانت شاذة وغير مقبولة من العامة.
*قابلت العقيد الراحل معمر القذافي عدة مرات، وسبق لي العيش في ليبيا لمدة أربع سنوات متصلة إمتدت من العام 1988 وحتى العام 1992م، تعرفت خلالها على جماهيرية الخوف والرعب التي كنت أحمل لها في ذهني صورة مخالفة للواقع، إذ كنت أظن – وبعض الظن إثم – أنها واحدة من جنان الله في أرضه، لكنها كانت جحيماً لا يطيقه بشر سوى.
*الناس في ذلك الجحيم كالسوائم، تأكل وتشرب ولا تحلم، وأصبح كل من رفع صوته بغير الهتاف المقدس : (الفاتح .. ثورة شعبية .. فاتح) كل من رفع صوته بغير ذلك أو إحتج ، إعتبره القذافي وجماعته واحداً من الكلاب الضالة.
*صورة العقيد القذافي في الواقع لا تختلف كثيراً عن الصورة التي يسوقها خصومه، وقد شهدت – وهذه شهادة للتاريخ – في رحلة إلى طرابلس كنت خلالها ضمن وفد رئاسي، ونحن داخل مقر سُكْنَى إقامة العقيد القذافي في (باب العزيزية)، شهدت السيد رئيس الجمهورية السابق المشير عمر حسن أحمد البشيريحتد في الحديث مع رئيس جهاز أمن النظام الليبي عبد الله السنوسي، وبحضور العقيد القذافي، بسبب نتائج محاولة غزو مدينة أم درمان من قبل حركة العدل والمساواة عام 2008م، وقد ضم الوفد الرئاسي – وقتها – عدداً من المسؤولين السودانيين، ولم ينبس العقيد الليبي ببنت شفة كما يقولون، بما يؤكد إدارته ورعايته لذلك الحدث المؤسف وتمويله لعملية الغزو، وقال البشير القذافي إن لديهم صور لفواتير شراء السيارات التي استخدمت في محاولة غزو أم درمان، وعضد ذلك إضافات للفريق صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني وقتها.
*لقد تضررت بلادنا كثيراً من العقيد الراحل ونظام حكمه، والذي تمددت أحلامه عبر الحدود في محاولة للهيمنة الكاملة على كل المنطقة، وكان الداعم الأكبر للمعارضة إبان حكم الرئيس الراحل جعفر محمد نميري – رحمه الله – بل كان الداعم الرئيس لكل الحركات المسلحة ، وكانت الأموال الليبية هي أساس حركة قرنق بعد أن إستعان العقيد القذافي بصديقه الحميم مانغستو هايلي مريام العدو الآخر لنظام الرئيس نميري الذي جعل من الأراضي الإثيوبية منصة لأنطلاق التمرد المسلح.
*في فبراير من كل عام تمر ذكرى الثورة الشعبية الليبية التي حملت إسم ثورة 17 فبراير، لكنها لم تكن الثورة الأولى التي حملت هذا الإسم، فقد سبقتها إنتفاضة شعبية عارمة في ذات اليوم من العام 1987م بمدينة بنغازي – في عيد المولد النبوي الشريف عام 1407 هـ – حكمت فيها أجهزة النظام بالإعدام على تسعة من الشباب الليبيين ، وقد تم نقل مشهد الإعدام عن طريق التلفزيون الليبي وسط هتافات هستيرية لزبانية النظام، تتوعد معارضيه بذات المصير.
*و.. يا سبحان الله .. ظللت أتابع قناة تلفزيونية مؤيدة للنظام المباد في ليبيا، تحمل اسم وشعار (الجماهيرية) وتعتبر صوتاً لأشباح الماضي الذي حكم ليبيا منذ سبتمبر 1969م وحتى نهاية العقيد قتلاً على أيدي معارضيه عام 2011، ظللت أتابع هذه القناة مثلما أتابع قنوات معارضة كثيرة لأنظمة الحكم في بلادها، ووجدت نفسي أردد في دواخلي بما بدأت به هذه الفقرة : (يا سبحان الله) .. والسبب أن هذه القناة أخذت تستجدي مشاهديها من الثوار الشرفاء بأن يمدوا لها يد العون حتى تتمكن من مواصلة البث والإرسال .. لقد نفد المال وبارت الفكرة .. وطارت السكرة.
*ليت كل الديكتاتوريين يعون الدرس ولكن .. ما أكثر العبر .. وما أقل الإعتبار.