آخر الأخبار

عبدالله جماع .. حوار الشجعان وحوار الطرشان

تأملات جمال عنقرة

 

*المقال الذي كتبه اخي عبدالله جماع تعليقا وتعقيبا على مقالي الاخير حول الحوار السوداني، استوقفني كثيرا، واستوقفتني فيه الذكريات التي حركها، قبل الأفكار التي طرحها، وكما ذكر اخي عبدالله فإن علاقتنا تعود إلى عشرات أعوام مضت، تحديدا في العام ١٩٨٢م، في دار اتحاد طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم، حيث كان أول لقاء بيننا، واذكر عندما قدمتني له خطيبته آنذاك، وزوجته، وأم أبنائه، وحبوبة احفاده اليوم اختنا هويدا عوض نجدي، واذكر عندما قالت له : سلم علي اخونا جمال عنقرة قال: ضاحكا اخيرا وعلمت انها كانت تحدثه عني كثيرا، وكان هو وقتها قد تخرج ودخل الحياة العملية لكنه ظل يعاود دار الاتحاد مثل كثيرين من الطلاب الذين كانت لهم مناشط فاعلة أيام الدراسة وهو واحد منهم، وكنت وقتها مسؤولا عن مناشط الطلاب الاسلاميين في أمانة الطلاب بالحركة الإسلامية، وكنت اول طالب يتخرج في مصر ويتم استيعابه متفرغا في التنظيم، وتم ذلك بتوجيه مباشر من الأمين العام للحركة الدكتور حسن الترابي له الرحمة والمغفرة، وكان يتابع نشاطنا التنظيمي والنقابي أيام الدراسة الجامعية في مصر، وكان يعجبه في تجربتنا الانفتاح والتحرر، وكنت مرتبطا بكل الجامعات بحكم اشرافي علي مناشطها، وكانت اختنا هويدا من الناشطات معي في مكتب المناشط، وكذلك كانت لها اهتمامات صحفية، حيث كانت رئيس تحرير مجلة اتحاد طلاب جامعة القاهرة الفرع، وكان الأخ المرحوم المهندس عبد الحليم الترابي رئيس تحرير مجلة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، والأخ حمدان حامد رئيس تحرير مجلة اتحاد طلاب الجامعة الإسلامية.

*محطة ذكريات ثانية كانت في أواخر العام ١٩٨٤م، حيث نشبت معركة بيننا، بعض الاسلاميين مع حاكم كردفان المشهور المرحوم الفاتح بشارة، فكانت معركته مع الأخ مولانا أحمد إبراهيم الطاهر بسبب مواقف قانونية، وكان مولانا وقتها المستشار القانوني للاقليم، ومع المرحوم إبراهيم محمد خير بسبب خلاف حول صفقة عيش للاقليم، وكانت معركته معي بسبب مقال كتبته في صحيفة الأيام بعنوان (وتوالت الأحداث عاصفة) تحدثت فيه عن مظاهر الجفاف والتصحر والجوع في الإقليم، ولم يكن الحاكم يرغب في الحديث عن ذلك، فاستهدفني، فخرجت إلى السعودية بتأشيرة عمرة، وفي السعودية احسن الناس استقبالي واكرامي، وكان أول من استقبلني من اخواني في الحركة الإسلامية أخي عبدالله التجاني عثمان، ونزلت معه في مكتبه ومسكنه في البغدادية، وكان الأخ عبد الله جماع أول من حول لي مبلغا محترما من مقر عمله واقامته في الرياض، ومن الرياض أيضا وصلني دعم سخي من إبننا زاهر ود حياة بنت اختي فاطمة بنت عمتي مكة النور عنقرة، شقيقة اخينا بدوي عبيد والد ابننا الاعلامي الرياضي الشامخ الرشيد بدوي عبيد، ومن زملاء المهنة دعمني أخي الاستاذ سيد احمد خليفة ماديا ومهنيا، ومن أولاد أم روابة وقف معي اخواني عوض عمر وصديق الجبلابي، ومن احبابي الصوفية المحاسب الضخم عبد القادر بانقا، وكان قد اوصاه لي اخي وصديقي الشيخ عبد الجبار المبارك، وكانت قد جمعتني (مجلة البيان) مع الشيخ عبد الجبار، هو رئيس التحرير وشخصي مدير التحرير.

*وبالعودة إلى ما طرحه الأخ عبدالله في المقال حول الحوار، ففي ما يتعلق بتساؤلاته عن موقف الملك المتوج عقار، فلقد اصدرت الحركة الشعبية شمال التي يقودها السيد عقار بيانا واضحا وشاملا حول الحوار، أكدت فيه أن الحوار يجب أن يكون شاملا، دون عزل أو إقصاء والا يكون حكرا علي السياسيين وحدهم، فيجب أن يشمل كل مكونات المجتمع السياسية.

*أما بالنسبة للحوار بشأن إنهاء الحرب، سواء بالسلام، أو الاستسلام، فهو لا بد أن يكون مع الذين يحملون السلاح، وليس مع الاذناب والسماسرة، فالرئيس السوداني الأسبق المصري الراحل السادات عندما أراد السلام ذهب إلى إسرائيل وجلس مع مناحيم بيجن، وحركات فلسطين سواء فتح أو حماس أو غيرهما، جلست مع إسرائيل ولم تجلس مع وكلائها، ولما أراد الرئيس نميري تحقيق سلام اول عهد مايو جلس مع اللواء جوزيف لاقو زعيم الانانيا، وفي ٧٧ جلس مع السيد الصادق المهدي رئيس الجبهة الوطنية الذي كان محكوما عليه بالإعدام، والانقاذ عندما جنحت للسلام جلست مع الحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق.

*ويبدو أن اخي عبدالله جماع ظن مثل كثيرين أن الحوار يعني المشاركة في الحكومة، وهذا ظن غير صحيح، فلا مشاركة في اي حكومة بعد اليوم الا بتفويض شعبي عبر انتخابات حرة ديمقراطية، اما الحوار.. فهو بالنسبة لوقف الحرب، فهو لوضع أسس لوقف تلك الحرب فقط، وهذا لن يتحقق الا بالذين يقاتلون، اما الحوار الشامل، فهذا لوضع أسس إعادة بناء الدولة وليس لتقسيم السلطة.