آخر الأخبار

من جدة إلى تشاد… الطريق المسدود(2-2)

لمياء موسى

* قوات الدعم السريع ردّت بأن (إعلان جدة) لم يتضمّن نصًا صريحًا يُلزمها بالخروج من منازل المواطنين، وهو ما كشف – وفق مصادر مطلعة – أحد أسباب انهيار المنبر. فقد تمسكت قوات الدعم بمقايضة خروجها من المنازل مقابل وضع نقاط تفتيش بالقرب من المؤسسات الحكومية ومواقع الخدمات بعد انسحابها.

*لم تفلح قوات الدعم في مدّ جسور الثقة مع الجيش, إذ تجاهلت القبض على عناصرها الهاربين من السجون، وواصلت تصعيدها الإعلامي، فيما انشغلت بتعزيز ترسانتها من السلاح والعتاد. وفي المقابل، ألقت باللوم على القوات المسلحة، متهمةً إياها برفض فتح بعض المطارات، وبإشعال نار الدعاية المضادة، بل وبالتحالف مع وجوهٍ من قيادات النظام السابق لإذكاء لهيب الصراع.

*يرى العديد من المحللين السياسيين أن فشل المبادرات لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لغياب الإرادة السياسية لدى طرفي النزاع، إذ يعتقد كل منهما أنه قادر على حسم الحرب عسكريًا وتحقيق النصر في أية لحظة. وإلى جانب ذلك، كان ضعف الضغوط الإقليمية والدولية عاملًا حاسمًا؛ فالكثير من الدول التي تملك نفوذًا في المشهد السوداني لم تمارس ما يكفي من ضغوط لدفع الأطراف نحو التسوية.

*بل إن بعض القوى الخارجية لعبت دورًا سلبيًا، إذ ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تغذية الصراع عبر أشكال متعددة من الدعم العسكري أو اللوجستي أو السياسي، الأمر الذي أطال أمد الحرب وزادها تعقيدًا. ولو لم يكن هذا الدعم الخارجي حاضرًا، لما استطاعت الحرب أن تستمر بهذه القسوة، خاصة وأن الظروف الاقتصادية في السودان لا تحتمل نزيفًا بهذا الحجم.

*كذلك، فإن واحدة من أبرز أوجه القصور في كل المبادرات السابقة كانت غياب الرؤية الشاملة لوقف الحرب وما بعدها. فالكثير من جولات التفاوض افتقرت إلى خطة واضحة لمعالجة القضايا الخلافية ووضع البلاد على طريق ديمقراطي مستقر. بل إن بعض الأطراف الراعية للمبادرات دخلت المفاوضات وهي محمّلة بتحفّظات ورؤى مسبقة عمّن أشعل الحرب ومن المستفيد منها، مما زاد المشهد تعقيدًا.

*أما الانقسام الداخلي بين القوى المدنية السودانية، فقد ساهم هو الآخر في إضعاف الموقف الوطني الموحد، إذ لم تُقدَّم رؤية جامعة لإيقاف الحرب، الأمر الذي دفع الأطراف المتحاربة إلى التمسك بالخيار العسكري بدلًا من التسوية السياسية.

*ومن هنا، أخلص إلى أن حل الأزمة السودانية لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن ينبع من الداخل عبر حوار سوداني – سوداني صادق يتناول القضايا العالقة، ويضع رؤية واضحة لمستقبل ما بعد الحرب، مع توفر إرادة حقيقية للوصول إلى حلول عادلة ومرضية. وإذا لم تتضافر الجهود الوطنية في هذا الاتجاه، فإن خطر تحوّل الصراع إلى حرب بالوكالة قائم، حيث تتسابق القوى الإقليمية والدولية لتعزيز نفوذها في المنطقة، مستغلة الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر.

*إن نهاية هذه الحرب – مهما طالت – لن تأتي إلا على أيدي السودانيين أنفسهم، متى ما أدركوا أن المصلحة العليا لوطنهم أكبر من أي مكاسب آنية، وأن طريق السلام يبدأ بخطوة شجاعة نحو المصالحة الوطنية الشاملة.

*يا أبناء السودان، إن الحرب مهما اشتدت لن تكتب فصلها الأخير إلا بأقلامكم، ولن تُغلق جراحها إلا بأيديكم. فالتاريخ لا يرحم من ضيّع وطنه، ولا ينسى من صانه وحمله على أكتافه نحو برّ السلام.

*كاتبة مصرية مقيمة في لندن