آخر الأخبار

تحت الأرض كنز وفوق الأرض أنين

 

( قصة من الواقع )

د .شاكر كريم

في زاوية مظلمة تحت الأرض، كان الصمت ثقيلاً لا يقطعه سوى بريق بارد ينبعث من سبائك الذهب المرصوفة بدقة، ورزم ملايين الدولارات المكدسة داخل حفرة سرية.. كان (صاحب الكنز) يقف هناك، يتأمل ثروته المنتزعة من قوت الناس بنشوة غامرة.. لم يكن يرى في تلك الأوراق والسبائك معادن صامتة، بل كان يراها سلطة ونفوذاً وأماناً يكتنزه لغدٍ لا يموت فيه جشعه.. في ذلك المكان، كان الضمير قد دُفن أولاً، قبل أن يُدفن الذهب.

وعلى بُعد كيلومترات قليلة، تحت سماء غاضبة تمطر بلا توقف، كان هناك عالم آخر تماماً

في مخيم للنازحين تمزقه الرياح، كانت تفترش الأرض الموحلة عائلة أنهكها اللجوء.. فوقهم قماش خيمة مهترئ، يرتجف كلما اشتدت العاصفة. هناك، كان الأب يحاول عبثاً سد ثقوب السقف بقطع من البلاستيك، يحلم فقط بسقف متواضع لا يتسرب منه المطر، سقف يحمي أطفاله من برد الشتاء الذي ينهش عظامهم.

في زاوية تلك الخيمة الباردة، كانت ترقد (شمس)، طفلة لم تتجاوز ربيعها السابع، لكن السرطان خلف في جسدها النحيل خريفاً مبكراً.. كان المرض قد سلبها شعرها، ونحل أطرافها، ولم يترك فيها سوى عينين واسعتين ذابلتين. كانت شمس تنظر إلى أمها بنظرات هادئة ومؤلمة، نظرات لم تكن تطلب طعاماً أو لعبة، بل كانت تبحث في ملامح الأم المتعبة عن شيء واحد فقط.. عن أمل، أو عن غدٍ بلا وجع.

كانت الأم تلتحف الصبر وتبكي بصمت، تعانق طفلتها وتنظر إلى السماء، باحثة بين الغيوم الراعدة عن عدالة السماء، بعد أن غابت عدالة الأرض.. وعيناها تائهتان، تتساءل في سرها: أي قلب هذا الذي يحتمل هذا المشهد؟ وأي ضمير ذاك الذي ينام شبعاناً على أكوام الذهب، بينما ينام أطفالنا على الطين والوجع، يحلمون بجرعة دواء وكسرة خبز؟

رحلت العاصفة، وبقيت السبائك تحت الأرض باردة لا تدفئ أحداً، وبقيت عيون شمس معلقة بالسماء، تشكو إلى الله جشع البشر وتسييس الحقوق.