
بين نداء الوطن وحقوق الأستاذ
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*في الوقت الذي يخوض فيه السودان معركة مصيرية من أجل إستعادة الإستقرار وإعادة بناء ما دمرته الحرب، تتفاقم أزمة أخرى لا تقل خطورة عن الدمار المادي الذي أصاب المدن والمؤسسات، وهي أزمة تعطيل التعليم على مستوييه الجامعي والعام. فاستمرار إضراب أساتذة الجامعات السودانية، بالتزامن مع إضراب المعلمين في ولاية الخرطوم، يضع البلاد أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بمستقبل أجيال كاملة، ويطرح أسئلة جوهرية حول أولويات الدولة في مرحلة يفترض أن يكون فيها الاستثمار في الإنسان مقدماً على كل ما سواه.
*لقد أثبتت تجارب الأمم أن الحروب مهما كانت مدمرة يمكن تجاوز آثارها مع مرور الزمن، لكن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول الخارجة من النزاعات هو انهيار منظومة التعليم وتعطلها لفترات طويلة.. فالمدارس والجامعات ليست مجرد مبانٍ أو مؤسسات خدمية، وإنما هي مصانع للعقول، ومراكز لإنتاج المعرفة، وحواضن لتكوين القيادات والكفاءات التي ستقود عمليات الإعمار والتنمية مستقبلاً. وعندما يتعطل التعليم، فإن الخسارة لا تُقاس بالأيام والأسابيع والشهور، وإنما تُقاس بضياع الفرص وتراجع القدرات وتآكل رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الحقيقية لأي دولة.
*إن مطالب أساتذة الجامعات السودانية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكم طويل من الأزمات الاقتصادية والإدارية التي أثرت بصورة مباشرة على أوضاعهم المهنية والمعيشية. فمنذ سنوات طويلة ظل الأستاذ الجامعي السوداني يعاني من تدني الأجور وضعف الحوافز وغياب البيئة الأكاديمية المناسبة، قبل أن تأتي الحرب الأخيرة لتضاعف من حجم المعاناة وتزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة. وأصبح كثير من الأساتذة يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية لا تتناسب إطلاقاً مع مكانتهم العلمية ودورهم الوطني ومسؤولياتهم الأكاديمية.
*ومن الإنصاف القول إن الأستاذ الجامعي لا يطالب بامتيازات خاصة أو رفاهية استثنائية، وإنما يطالب بما يمكنه من العيش الكريم وأداء رسالته العلمية في ظروف تحفظ كرامته وتضمن استقراره.. فالدولة التي تنتظر من أساتذتها أن يخرجوا أجيالاً من الأطباء والمهندسين والصيادلة والمعلمين والقضاة والباحثين، مطالبة كذلك بأن توفر لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة التي تعينهم على أداء هذه الرسالة.
*لكن في المقابل، فإن استمرار الإضراب لفترة طويلة بدأ يفرز آثاراً سالبة تتجاوز حدود المطالب المهنية المشروعة.. فهناك آلاف الطلاب الذين تعطلت مسيرتهم الأكاديمية، وآلاف الأسر التي تعيش حالة من القلق والترقب بشأن مستقبل أبنائها، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بسمعة الجامعات السودانية وبرامجها الأكاديمية، في وقت تواجه فيه مؤسسات التعليم العالي تحديات غير مسبوقة بسبب ظروف الحرب والنزوح وتضرر البنية التحتية.
*والأمر نفسه ينطبق على إضراب المعلمين بولاية الخرطوم، الذين يعانون هم الآخرون من أوضاع معيشية معقدة دفعتهم إلى الاحتجاج والإضراب للمطالبة بتحسين أوضاعهم. ومع عدالة المطالب ومشروعيتها، فإن استمرار توقف العملية التعليمية في المدارس يهدد بإنتاج فجوات تعليمية كبيرة سيكون من الصعب معالجتها مستقبلاً، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الأطفال والشباب السودانيون منذ اندلاع الحرب.
*ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة الأزمة بمنظار وطني شامل يتجاوز لغة التجاذبات والمواقف المتصلبة.. فالقضية لم تعد مجرد نزاع بين العاملين في قطاع التعليم والجهات الحكومية، وإنما أصبحت قضية وطنية ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة السودانية نفسها.. ذلك أن السودان لن يستطيع تحقيق التعافي الاقتصادي أو الاستقرار الاجتماعي أو إعادة الإعمار دون نظام تعليمي قوي ومستقر وقادر على إنتاج الكفاءات المطلوبة لقيادة مرحلة ما بعد الحرب.
*في هذا السياق تكتسب المبادرات الوطنية الرامية إلى تقريب وجهات النظر أهمية استثنائية، وعلى رأسها المبادرة التي تقدم بها الأستاذ مبارك النور عبد الله بخيت، رئيس التيار القومي للمستقلين بالسودان، والتي جاءت في توقيت بالغ الحساسية والأهمية.. فقد خاطبت المبادرة طرفي الأزمة بروح وطنية مسؤولة، حيث ناشدت رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالتدخل العاجل لمعالجة قضايا أساتذة الجامعات والاستجابة لمطالبهم المشروعة، انطلاقاً من الإيمان بأن تحسين أوضاع الأساتذة يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل السودان وقدرته على النهوض والتعافي.
*كما خاطبت المبادرة أساتذة الجامعات أنفسهم بنداء وطني صادق يدعو إلى تعليق الإضراب واستئناف العملية التعليمية استجابة لما يمكن أن يُقدم من ضمانات وتعهدات رسمية لمعالجة المطالب، وذلك حفاظاً على مصالح الطلاب ومراعاة للظروف الوطنية الدقيقة التي تمر بها البلاد.
*وتنبع أهمية هذه المبادرة من أنها لم تتبنَّ خطاباً صدامياً أو منحازاً لطرف ضد آخر، بل سعت إلى بناء جسر من الثقة بين الدولة والأساتذة، وهو ما تحتاجه البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالأزمات الكبرى لا تُحل بالتصعيد المتبادل، وإنما بالحوار الصادق والإرادة السياسية والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات.
*إن المطلوب من القيادة السياسية في هذه المرحلة ليس مجرد إصدار توجيهات أو وعود عامة، بل اتخاذ خطوات عملية وملموسة تؤكد جدية الدولة في معالجة أوضاع أساتذة الجامعات والمعلمين. ويمكن أن تشمل هذه الخطوات تشكيل لجنة عليا برئاسة جهة سيادية مختصة لمتابعة الملف، ووضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات المالية والإدارية، وتقديم ضمانات مكتوبة تتيح بناء الثقة المطلوبة لتهيئة الأجواء أمام إنهاء الإضرابات وعودة العملية التعليمية بصورة طبيعية.
*كما أن القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأكاديمية والشخصيات العامة مطالبة بدعم جهود الوساطة والمصالحة، لأن نجاح هذه المبادرات لا يخدم الأساتذة أو المعلمين وحدهم، بل يخدم السودان كله.
*إن التاريخ يعلمنا أن الأمم تنهض بالعلم قبل المال، وبالمعرفة قبل العمران.. وقد لا يكون من الصعب إعادة بناء جسر أو طريق أو مبنى دمرته الحرب، لكن إعادة بناء جيل حُرم من التعليم أو تأخر عن مسيرته العلمية لسنوات هي مهمة أكثر تعقيداً وأطول زمناً وأعلى تكلفة.
*لهذا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي التحرك العاجل لإنهاء هذه الأزمة. فحقوق الأساتذة والمعلمين يجب أن تُصان، ومطالبهم المشروعة يجب أن تجد طريقها إلى الحل، وفي الوقت نفسه يجب ألا يبقى الطلاب رهائن لأزمة طال أمدها واستنزفت الجميع.
*إن السودان الذي يتطلع إلى مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء يحتاج اليوم إلى عودة المعلم إلى فصله، والأستاذ إلى قاعة محاضرته، والطالب إلى مقعده الدراسي. فهناك معارك تُخاض بالسلاح دفاعاً عن الأرض، وهناك معارك أخرى تُخاض بالعلم دفاعاً عن المستقبل. وإذا كانت معركة الكرامة قد استهدفت حماية الوطن، فإن معركة التعليم تستهدف حماية الغد، ولا يقل أحدهما أهمية عن الآخر.
*إن لحظة الحكمة المطلوبة الآن تقتضي أن تلتقي إرادة الدولة مع حس المسؤولية لدى الأساتذة والمعلمين حول هدف واحد: إنقاذ العام الدراسي، وحماية مؤسسات التعليم، وفتح الطريق أمام جيل جديد يحمل على عاتقه مهمة إعادة بناء السودان بعد الحرب. فالأوطان قد تتعافى من آثار الحروب، لكنها لا تتعافى بسهولة من ضياع التعليم، ولا من خسارة العقول التي تشكل أساس نهضتها ومستقبلها.