
الأمن الغذائي بالدامر… هل نكتفي بجدولة الكهرباء أم نُنقذ مشروعاً يحتضر؟
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لا يختلف اثنان على أن الاجتماع الذي عقده وزير الزراعة والثروة الحيوانية بولاية نهر النيل، المهندس صلاح الدين علي محمد أحمد، مع رئيس مجلس إنتاج مشروع الأمن الغذائي بالدامر، بحضور قيادات صندوق نقل التقانة والتنمية الزراعية، يمثل خطوة إيجابية تعكس إهتمام الوزارة بأحد أهم المشروعات الزراعية في الولاية. كما أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع إدارة الكهرباء لمعالجة الإمداد الكهربائي وجدولته يعد تطوراً مطلوباً طال انتظاره، لأن الكهرباء أصبحت تمثل عصب العملية الزراعية، وانقطاعها يعني عملياً توقف الطلمبات، وتعطيل الري، وضياع الموسم الزراعي.
*غير أن أهمية هذه الخطوة لا ينبغي أن تجعلنا نغفل حقيقة أكثر عمقاً، وهي أن أزمة مشروع الأمن الغذائي بالدامر ليست أزمة كهرباء فحسب، وإنما هي أزمة رؤية وتخطيط وإدارة واستثمار في البنية التحتية. ولذلك فإن معالجة الإمداد الكهربائي، على أهميتها، تظل علاجاً لجزء من المشكلة، بينما يبقى جوهر الأزمة قائماً إذا لم تصحبه قرارات إستراتيجية تعيد للمشروع عافيته ودوره الحقيقي في تحقيق الأمن الغذائي.
*لقد ظل مشروع الأمن الغذائي بالدامر لسنوات طويلة يمثل أحد أكبر المشروعات الزراعية بولاية نهر النيل، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث المساحة، وهو مشروع يمتلك كل مقومات النجاح؛ من أرض خصبة، ومياه متوفرة، وخبرات زراعية متراكمة، وموقع جغرافي متميز، إلا أن هذه المقومات ظلت تتآكل عاماً بعد عام بسبب ضعف البنية التحتية، وتعطل منظومة الري، وتراجع عمليات الصيانة، وتأخر توفير الآليات، حتى أصبحت مساحات واسعة من أراضيه مهددة بالبوار، وتحول كثير من الحقول إلى أرض تنتظر الماء أكثر مما تنتظر البذور.
*ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول وكل مهتم بالشأن الزراعي: هل يعقل أن يبقى مشروع بهذه الأهمية رهينة لجدول الكهرباء؟ وهل من المقبول أن يرتبط مستقبل آلاف الأفدنة بانقطاع التيار أو عودته؟ إن التفكير الإستراتيجي يقتضي الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن المعالجات المؤقتة إلى المشروعات المستدامة.
*ولعل أول هذه الحلول يتمثل في إنشاء محطة طاقة شمسية متكاملة تخدم مشروع الأمن الغذائي بالدامر. فهذا الخيار لم يعد ترفاً تقنياً، وإنما أصبح واقعاً تعتمده الدول التي تسعى إلى تحقيق أمنها الغذائي وتقليل تكلفة الإنتاج الزراعي. والسودان، وولاية نهر النيل على وجه الخصوص، يتمتعان بأحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة، وهي ميزة طبيعية كان ينبغي أن تتحول منذ َسنوات إلى مصدر دائم للطاقة الزراعية.. إن الاستثمار في الطاقة الشمسية يعني توفير كهرباء مستقرة لتشغيل والطلمبات، وخفض تكاليف والتشغيل والصيانة، وتقليل الإعتماد على الشبكة القومية التي تواجه تحديات معروفة، كما أنه يمثل استثماراً طويل الأجل يعود بالنفع على الدولة والمزارعين معاً
*لقد أثبتت التجارب في العديد من الدول الإفريقية والعربية أن تشغيل مشروعات الري بالطاقة الشمسية أدى إلى زيادة الإنتاج، وخفض تكاليف التشغيل، وتحقيق استقرار في المواسم الزراعية. فلماذا لا يكون مشروع الأمن الغذائي بالدامر نموذجاً وطنياً لهذا التحول؟ ولماذا ننتظر كل موسم لنبحث عن حلول مؤقتة بينما يمكن اتخاذ قرار إستراتيجي يضع حداً لهذه الأزمة لسنوات طويلة؟.
*وإذا كانت الكهرباء تمثل أحد التحديات، فإنها ليست التحدي الوحيد. فما زال ملف الطلمبات الجديدة يثير كثيراً من علامات الاستفهام. فمن غير المقبول أن تصل الطلمبات إلى ميناء بورتسودان، ثم تمضي قرابة عشرة أشهر دون أن تدخل الخدمة بالمشروع.. هذا التأخير لا يعني مجرد تعطل معدات، بل يعني تعطيل الإنتاج، وإهدار الزمن الزراعي، وزيادة معاناة المزارعين، وإضاعة فرص كان يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتوفير المحاصيل للأسواق. ومن حق الرأي العام أن يعرف أين وصلت هذه الطلمبات، وما أسباب بقائها كل هذه المدة، ومن يتحمل مسؤولية هذا التأخير الذي لا ينسجم مع حجم التحديات التي تواجه البلاد.
*وفي المقابل، فإن الجهود التي تُبذل حالياً لرفع البيارات تمثل خطوة صحيحة، حتى وإن جاءت متأخرة، لأن بداية موسم الفيضان كانت تستدعي إنجاز هذه الأعمال قبل وقت كافٍ. ومع ذلك، فإن التأخير لا ينبغي أن يكون مبرراً للتباطؤ، بل يجب أن يكون حافزاً لتسريع وتيرة التنفيذ، والعمل بنظام الطوارئ حتى لا تضيع بقية الموسم الزراعي، لأن خسارة موسم واحد تعني خسائر اقتصادية يصعب تعويضها، ليس للمزارعين وحدهم، وإنما للاقتصاد المحلي بأكمله.
*كما أن الزيارة التي قام بها قبل نحو شهرين العضو المنتدب لشركة زادنا الأستاذ علي عسكوري إلى المشروع بعثت يومها كثيراً من الأمل، خاصة في ظل الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها الشركة وخبراتها في الاستثمار الزراعي. غير أن الأمل وحده لا يكفي، إذ لم يلمس العاملون بالمشروع ولا المزارعون أي نتائج عملية تعكس تلك الزيارة أو تترجمها إلى مشروعات أو تدخلات أو حلول ملموسة.. وليس المقصود هنا توجيه اللوم، وإنما التأكيد على أن المشروعات الإستراتيجية لا تُقاس بعدد الزيارات والاجتماعات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من إنجازات.
*إن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فحسب، بل أصبح قضية أمن قومي واستقرار اقتصادي وسيادة وطنية.. والدول التي تؤمن مستقبلها هي التي تستثمر في الزراعة قبل غيرها، لأنها تدرك أن الغذاء هو أساس الاستقلال الحقيقي. ومن هذا المنطلق فإن مشروع الأمن الغذائي بالدامر ينبغي أن يحظى بأولوية قصوى في التخطيط والتمويل والمتابعة، وأن تتحول معالجته إلى مشروع دولة لا إلى معالجة موسمية ترتبط ببداية كل موسم زراعي.
*إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بيوم أو يومين من الكهرباء، فمثل هذا الحل قد يخفف الأزمة مؤقتاً، لكنه لن يقضي عليها.. المطلوب هو مشروع متكامل لإعادة تأهيل البنية التحتية، وزيادة عدد الطلمبات، وإدخال الطلمبات الجديدة إلى الخدمة فوراً، واستكمال أعمال البيارات، وتحديث منظومة الري، وإنشاء محطة طاقة شمسية كبيرة تكون المصدر الرئيس لتشغيل المشروع، مع تفعيل مجلس الإنتاج ليكون جهازاً فاعلاً في اتخاذ القرار والمتابعة اليومية، لا مجرد إطار إداري يجتمع بين الحين والآخر.
*إن ولاية نهر النيل تمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لتكون سلة غذاء حقيقية، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا انتقلنا من ردود الأفعال إلى التخطيط الإستراتيجي، ومن الحلول المؤقتة إلى المشروعات المستدامة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
*إن رسالتنا إلى السيد وزير الزراعة بولاية نهر النيل هي أن البداية التي تمت في ملف الكهرباء تستحق التقدير، لكنها يجب أن تكون بداية لمسار أكبر، لا نهاية للمعالجة. فالمزارعون لا ينتظرون الوعود، وإنما ينتظرون الماء الذي يروي حقولهم، والطاقة التي تشغل طلمباتهم، والقرار الذي يعيد الحياة إلى مشروع ظل لعقود أحد أهم روافد الإنتاج الزراعي في السودان.
*إن مشروع الأمن الغذائي بالدامر لا يطلب المستحيل، وإنما يطلب إرادة سياسية، ورؤية إستراتيجية، وإدارة تسبق الأحداث ولا تلاحقها. وإذا توفرت هذه العناصر، فإن المشروع قادر على أن يستعيد مكانته، وأن يتحول إلى نموذج وطني للإنتاج الزراعي الحديث، أما إذا استمرت المعالجات الجزئية والتأجيل، فإن الخاسر لن يكون المشروع وحده، بل سيكون الأمن الغذائي في ولاية نهر النيل، وربما في السودان كله.