آخر الأخبار

سيمفونية الخشبة والإعمار…البقعة يعود ليغسل وجه الوطن بالفن

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

 

*في أكثر أوقات الأوطان تعقيداً، حين تتوارى الكلمات خلف قعقعة السلاح وتغيم الرؤى في فضاءات التوجس، ينهض الإبداع كرافعة أخلاقية وحضارية ليعيد صياغة الوجدان وبناء الصور الجديدة. هكذا علمتنا التجارب الإنسانية، وهكذا هسّ إلينا الأثير مؤخراً عبر أثير إذاعة صوت العرب، ونحن نستمع بشغف لحديث سفير السلام باليونسكو، ذلك الرمز المسرحي السوداني والعالمي، وهو يزفّ للبشرية بشرى لطالما انتظرها عشاق أب الفنون: عودة مهرجان البقعة الدولي للمسرح في دورته الثانية والعشرين، مطلع أكتوبر المقبل.

*إنها ليست مجرد عودة لحدث فني عابر، بل هي إعلان لتدشين مرحلة إعادة البناء والتعمير عبر بوابات الثقافة، وتأكيد حيّ على أن الفنون هي حائط الصد الأخير لحماية سلامة الأوطان واسترداد عافيتها.

*لكي نفهم عمق هذه العودة واستثنائية، لا بد من الارتداد بالذاكرة إلى الجذور، إلى تلك الأيام النضرة التي شهدت فتوحات كبرى على خشبة مسرح (قاعة الصداقة).. هناك، حيث كان الجمهور يصطف لساعات طوال، يعود باكراً حاملاً شغفه ليحظى بتذكرة تضمن له مقعداً في تلك القاعة الجميلة لمشاهدة مسرحية (هو وهي) للراحل أحمد عاطف كاتبًا ومخرجًا.

*في تلك الحقبة، تخلقت علاقة فريدة بين الخشبة والصالة؛ قاعة تمتلئ عن آخرها، وجمهور يعشق الفن لدرجة تدفع صناع العمل لإضافة مقاعد تلو الأخرى.. وحين كان النقاد يتحدثون عن خروج عن النص، كان الرد الفلسفي الجميل يكمن في أنه ليس خروجاً، بل هو التداعي الخلاق مع الجمهور.. من هذا الزخم، ولدت فكرة (المسرح الخاص)، التي رآها بعض النقاد مسرحاً تجارياً، بينما كانت في جوهرها حلم يراود المبدع بامتلاك فضاء مستقل، لا تقلقه مواعيد القاعات الرسمية، ولا يقطع حبل اتصاله بجمهوره الواسع الذي بلغ حده الجلوس في (الكواليس) لمتابعة العرض والظفر بتصاوير تذكارية في زمن لم تكن فيه ثقافة التصوير متاحة للجميع.

*توالت الحكايات، من رحلات الشرق الأقصى ومسارحها الكبرى وفضاءاته المفتوحة، لتعود الفكرة محملة بقرارات حاسمة.. ورغم انشغالات الإنتاج في (المسرح الوطني)، تبلورت مؤسسة فنية خاصة (شركة إنتاج إبداعي)، انطلقت لتبحث عن مكان تعيد فيه بث الحياة. وكان اللقاء بمركز شباب أم درمان؛ فضاء كان مهجوراً، بلا إشارات تعين على إمكانية إحيائه.

*لكن خيال المبدع عبر بالزمان والمكان، تراءت له ستارة تفتح، وموسيقى تصهب، وجمهور يصغي باهتمام.. فوقف في المنتصف ووقع الاتفاق، ليرتفع الصياح من أطراف المدينة: (مسرح البقعة) ومن ذلك الظل الأول، اضحت البقعة فضاءً لكافة أشكال الفنون، وملتقى مستنيراً يعنى بقضايا الفكر، وحقوق الملكية الفكرية، وملتقيات الأخوة من جنوب السودان، ومعارض التلوين، دون أن يسجلوا فرقة منغلقة، بل تجمعاً يلتقي عند التجربة الإبداعية الحرة.

*من طقس ظهيرة صيفية حارقة في أم درمان، ومن رحم الخجل الثقافي في تونس لعدم وجود مهرجان مسرحي راتب بالسودان آنذاك، ولدت فكرة (مهرجان أيام البقعة المسرحية).. بدأت الفكرة محلية في ولايات الوطن، ثم نجحت الدورة الأولى، وتوالت الدورات لتتحول بجهد المبدعين ودعم الدولة إلى (مهرجان البقعة الدولي للمسرح).

*تحول المهرجان إلى مفتاح ذهبي لتعزيز العلاقات الدولية عبر الفنون. وحين كان سفير السلام باليونسكو يحاضر في منبر مكتبة (الكونغرس الأمريكي) بواشنطن حول محاضرته الأشهر (أثر التصوف على المسرح المعاصر)، كانت طبلورات (البقعة) وراياتها المبتهجة تجوب المدن الأمريكية، تعكس وجهاً حضارياً مغايراً للوطن.

*لقد نجح المهرجان في كسر أعتى أطواق العزلة السياسية؛ فحين كانت القطيعة الدبلوماسية تخيم على العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، ارتفع العلم الأمريكي على خشبة المسرح القومي بأم درمان في أول عرض أمريكي منذ عقود. تحدى الفنانون التحذيرات الأمنية، وزاروا مصانع السكر في (كنانة)، ووقفوا على حقيقة إنسان هذا الوطن المضياف، ليعودوا محملين برسائل السلام. هكذا صنعت البقعة علاقات سودانية إقليمية وعالمية، وفتحت مسارحها لفنون العرب، وشهدت أولى عروض المسرح الإفريقي (من تشاد، أوغندا، إثيوبيا) والعروض الأوروبية (من هولندا وفرنسا)، محققة تبادلاً ثقافياً متساوي الأركان.

*تأتي الدورة الثانية والعشرين في أكتوبر المقبل مبتدأ لخبر جديد يصاغ بمداد الأمل.. فرغم شجون التوقف القسري بسبب الحرب، ورغم غصة الشوق لأعياد المسرح التي كانت تزامناً مع اليوم العالمي للمسرح، إلا أن التحضيرات الجارية الآن تعكس إصراراً خرافياً على الحياة.

*تشتغل الهيئة الآن على تجهيز الملتقى الفكري ولجان التحكيم الدولية، وخيمة البقعة التي طالما ضمت المبدعين من كل فج عميق، مع كرنفال الافتتاح التقليدي؛ ذلك الموكب الرمزي المهيب الذي سينطلق من المسرح القومي بأم درمان متوجهاً نحو (منطقة الطابية) التاريخية على الضفة الغربية لنهر النيل.

*إن عودة المهرجان برؤية جديدة هي رسالة للعالم بأن السودان، برغم الجراح وبرغم تعقد المشهد، قادر بالفن والثقافة على إعادة بناء واقعه، وتطهير ندوبه، وتأكيد دوره كمنارة لا تنطفئ للاحتفاء بالفن والإبداع العربي، الأفريقي، والإنساني. عاش المسرح، وعاشت البقعة منارة للسلام والتعمير.