
العشوائية والتخبط في القرارات من مجلس الوزراء إلى البنك المركزي
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*تحرص الدول المحترمة والحكومات على إنشاء المؤسسات والعمل عبرها ولا يتم اتخاذ القرارات في القضايا الكبيرة إلا بعد دراسة مستوفية لكل الحيثيات محل الموضوع والدراسة لابد أن تتم عبر خبراء ومتخصصين في المجال المعني كل ذلك بغرض أن يخرج القرار متماسكاً وقوياً وقابلاً للإستمرار والتنفيذ لأنه بالضرورة سيستصحب معه كل ماهو متوقع مستقبلاً حتي لا تضطر الحكومة الي نفيه او تغييره أو التبرؤ منه…هذا وضع الدول والحكومات التي تحترم القانون وتحترم شعبها وتحافظ على هيبتها.
*الحال في بلادي يختلف للأسف فما زلنا نتحدث الآن عن فترة إنتقالية ممتدة لا أحد يعرف ميقات نهايتها وليست هذه هي المشكلة طالما أن الحرب هي التي فرضت هذا الواقع ولكن تظل الأزمة والمشكلة في حكومة الفترة الإنتقالية أنها ظلت تعمل بدون مؤسسات لا رقابية ولا تشريعية وحتى المؤسسات القائمة تبدو ضعيفة ويسهل تجاوزها وقد حدث ذلك كثيرا.
*الحكومة تفتقد الآن المحكمة الدستورية، مجلس القضاء العالي، مجلس العدل، المجلس التشريعي، التشريعات التي تضبط الآداء خاصة الإعلام فضلا عن العمل بوثيقة دستورية فقدت كل مقومات بقائها واستمرارها…يحدث ذلك والبلاد متهمة خارجياً بتجاوز القوانين او غيابها ورغم تحفظنا علي الكثير من هذه الإتهامات ولكن لماذا تترك الحكومة كل هذه الثغرات التي تضررت منها البلاد كثيراً
*مناسبة حديث اليوم والذي جاء في عنوان المقال عن تخبط وعشوائية وغياب رؤية الكثير من أجهزة الدولة في اتخاذ القرارات والذي هو نتاج غياب المؤسسات او ضعفها وقد أخذت في هذا المقال مجلس الوزراء والبنك المركزي نموذجان لهذا الإخفاق استنادا على حدثين هامين كانا مثار نقاش ونقد خلال اليومين الماضيين.
*الحدث الأول هو الخبر الذي نقلته عددا من وسائل الإعلام بتعيين السفير ادريس محمد علي وكيلاً لوزارة الخارجية وهو يبدو خبراً عادياً ومن حق مجلس الوزراء اصداره نظرا لسلطته ولأحقية السفير إلا ان المفاجأة هي النفي المغلظ بعدم صحة الخبر ونفيه تماما ولكن ما هو معلوم بالضرورة أن مثل هذه الأخبار إن لم تصل مرحلة صدور القرار فهي قطعا قد تم نقاشها لأن ما تم تسريبه هو أن جهات خارج مجلس الوزراء هي التي أوقفت اصدار القرار وهذا ايضا ليس بغريب حدوثه مع ضعف المجلس وضعف آليات عمله والخلل الثاني الذي صاحب نفي مجلس الوزراء لهذا الخبر هو أن جهة النفي كانت المكتب الصحفي بوزارة الاعلام وليس وزير الاعلام الذي هو نفسه لا يملك حق التحدث باسم مجلس الوزراء بعد ان تم تجريده رسمياً من هذه المهمة…فما علاقة المكتب الصحفي لوزارة الاعلام بنفي اخبار مجلس الوزراء إن لم تكن هي العشوائية والتخبط وتداخل الصلاحيات؟ ولماذا يهمل رئيس مجلس الوزراء منصب الناطق الرسمي باسم الحكومة أو منصب المستشار الاعلامي بعد اعفاء الاستاذ محمد عبدالقادر دون حيثيات حتى ان لم تكن مقنعة؟..لماذا هذا التغييب المقصود لهذه المواقع الحساسة والمهمة داخل المجلس؟.
*الحدث الثاني هو خبر إختيار بنك السودان المركزي (لشركة العسجد) لتكون بوابة التعاملات المالية الرقمية لكل السودان…كتب الاخ عزمي مقالين عن الشركة حديثة التكوين وتبعيتها للهالك حميدتي وفرعها في الامارات والكثير من التفاصيل والاسئلة التي عجزت ادارة البنك المركزي عن الاجابة عليها.. وكيف حظيت بالعطاء؟ وماهي الشركات التي نافستها؟ حصار الزميل عزمي للبنك جعله يصدر قراراً بإلغاء التعاقد مع (شركة العسجد)..وبهذا الإلغاء تتجسد الأزمة والعشوائية في اتخاذ القرار في أبلغ صورها..كيف يوقع البنك اتفاقا مع (شركة العسجد) ويحتفل بالتدشين دون ان يكون له معلومات كافية عنها؟ وماهي معايير الاختيار؟ ومن هم اصحاب النفوذ الذين أرغموا البنك على التوقيع والاحتفال قبل أن يأت دور الصحافة ويكشف المستور ليجعل البنك يلغي التعاقد؟.. هل للجنجويد المتحكمين في مفاصل البنك المركزي كما اكد ذلك الفريق أول ركن ياسر العطا دور في هذا الإختيار( لشركة العسجد)؟ وهل ستكون هذه القضية آخر أشكال التدخلات والعشوائية؟.. إلغاء التعاقد يفتح الباب واسعاً أمام ضرورة التحقيق مع كل المشاركين في الاختيار التوقيع وحفل التدشين.
*ختاما نقول ان شجرة قيادة البلاد تحتاج لهزة قوية لإسقاط كل الأوراق التالفة والتي ذبلت وإنتهت دورتها في الحياة… والحكومة عليها انشاء المؤسسات والاحتكام اليها في صناعة القرارات قبل إصدارها كل ذلك بالقانون لا بغيره.. فهل ستكون هذه الأحداث آخر عهد التخبط وغياب الرؤية؟.