
السودان والطريق إلى كربلاء
عمرو خان
كربلاء ليست مجرد خطٍ رفيع على الخريطة، ولا ذلك السهل الممتد على ضفاف نهر الفرات، وليست مدينةً ارتبط اسمها بأحداث عام 680م، بل هي واحدة من أعظم الدروس في تاريخ الصراع السياسي حين يمتزج بالدين، فتتحول العقائد إلى أدوات استقطاب، وتصبح السياسة قادرة على إعادة تشكيل مصير الأمم لعقود، بل لقرون.
*وبعيدًا عن المكانة الدينية والوجدانية التي يحملها اسم كربلاء في الوعي الإسلامي، فإنها، من منظورٍ سياسي خالص، تقدم نموذجًا تاريخيًا لا يزال يعيد إنتاج نفسه حتى يومنا هذا.. فما أشبه الأمس باليوم؛ إذ لا يزال الإنسان العربي والإفريقي يتعامل مع الأزمات بالأدوات ذاتها، ويرتكب الأخطاء نفسها، ثم ينتظر نتائج مختلفة، وكأنه يقرأ التاريخ باعتباره قصةً انتهت، لا باعتباره كتابًا مفتوحًا يكشف قوانين سقوط الدول وصعودها.
*ولهذا، فإن المقاربة الحقيقية ليست بين واقعة كربلاء وواقعنا الراهن، وإنما بين سلسلة الأحداث التي سبقت كربلاء ومهدت لها، وبين ما شهدته وتشهدُه منطقتنا من أزمات متلاحقة.. فالمآلات الكبرى لا تولد فجأة، بل تسبقها مقدمات تتراكم في صمت، حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه الانفجار أمرًا لا يمكن تجنبه.
*إن المأساة الحقيقية لم تكن يوم كربلاء، ولم تبدأ مع لحظة المواجهة، بل كانت تتشكل قبل ذلك بسنوات، في كل قرارٍ سياسي أُسيء تقديره، وفي كل خطابٍ عمّق الانقسام، وفي كل مساومة قُدمت فيها المصلحة الضيقة على مصلحة الدولة، وفي كل صمتٍ تجاه أخطاء كان يمكن احتواؤها وهي لا تزال صغيرة.. يوم المعركة لم يكن سوى إعلان النهاية، أما بدايتها الحقيقية فكانت في الطريق الذي قاد إليها.
*ومن هنا تنشأ قيمة كربلاء التاريخية؛ فهي تعلمنا أن دراسة النهايات وحدها لا تمنع تكرارها، بينما تكشف دراسة البدايات كيف تُصنع المآسي قبل أن يراها الناس بسنوات.. فالدم الذي سال في كربلاء لم يكن أول الأحداث، بل كان آخر حلقات سلسلة طويلة من القرارات والتحولات والصراعات التي تراكمت حتى لم يعد بالإمكان إيقافها.
*ولعل السودان يقدم نموذجًا بالغ الأهمية لهذه القراءة.. فمن يدرس التاريخ السياسي السوداني، بعيدًا عن الانفعال والانحياز، سيجد أن الأزمات التي انتهت إلى الحروب والانقسامات لم تولد في يوم إعلان الاستقلال عام 1956، ولا حتى بعده مباشرة، وإنما كانت جذورها تمتد إلى ما قبل ذلك بكثير، حين بدأت تتشكل معادلات السلطة، وتتداخل الولاءات القبلية والإقليمية مع المصالح السياسية، ويزداد حضور الخطاب الديني في بعض المراحل بوصفه أداةً للتعبئة أو لإضفاء الشرعية على خيارات السلطة أو خصومها.
*ولم يكن امتزاج الدين بالسياسة، في التجربة السودانية، هو المشكلة في ذاته، بقدر ما كانت المشكلة في توظيفه داخل صراعٍ سياسي متغير، حيث أصبحت المرجعيات الدينية، في بعض المراحل، جزءًا من أدوات الاستقطاب، بدلًا من أن تكون عنصرًا جامعًا للمجتمع.. وعندما يقترن ذلك بضعف المؤسسات، وتراجع مفهوم الدولة لصالح الولاءات الضيقة، يصبح الصراع أكثر تعقيدًا، لأن أطرافه لا يعودون يتنافسون على إدارة الدولة، بل على تعريفها، وامتلاك حق الحديث باسمها.
*وهنا تبدو المقاربة مع كربلاء أكثر واقعية مما تبدو للوهلة الأولى.. فوجه الشبه لا يكمن في الأشخاص، ولا في الأزمنة، ولا في النتائج، وإنما في الآليات التي تصنع الأزمات.. فالتاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعيد إنتاج أسبابه كلما تكررت الشروط ذاتها.. وعندما تضعف المؤسسات، ويُختزل الوطن في السلطة، ويصبح الاختلاف السياسي صراعًا وجوديًا، وتُستدعى الرموز الدينية إلى ساحات التنافس السياسي، فإن الطريق إلى المأساة يبدأ من جديد، وإن اختلفت الأسماء والعناوين.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل تتكرر كربلاء؟ بل: هل ما زلنا نصنع الطريق الذي يؤدي إليها؟..هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه السودانيون على أنفسهم، كما ينبغي أن يطرحه أبناء الشرق الأوسط، والقرن الإفريقي، وإفريقيا بأسرها.. فالتاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها أخطأت مرة، وإنما يعاقبها حين تصر على تكرار الأخطاء نفسها، وهي تتوقع أن تقودها إلى مستقبل مختلف.
*إن الأمم لا تسقط يوم تندلع الحروب، وإنما يوم تفشل في قراءة مقدماتها.. ولا تبدأ المآسي عندما تُطلق الرصاصة الأولى، بل عندما يصبح إطلاقها النتيجة المنطقية لمسار طويل من الاستقطاب، وسوء الإدارة، وإهدار فرص التسوية.
*ولهذا، فإن كربلاء ليست درسًا في التاريخ الإسلامي فحسب، بل درسٌ في علم السياسة أيضًا. إنها تذكرنا بأن المأساة لا تبدأ يوم المعركة، وإنما يوم تُتخذ القرارات التي تجعل المعركة حتمية. وحين ندرك هذه الحقيقة، سندرك أن إنقاذ المستقبل لا يبدأ من قراءة النهايات، بل من الشجاعة في مراجعة البدايات.
*كاتب صحفي مصري