آخر الأخبار

حين انتصرت الدولة بلا بيان… المعركة التي لم تُكتب بعد

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في تاريخ الأمم، ثمة لحظات لا يصنعها هدير المدافع، بل يصنعها صوتٌ يخرج من ميكروفون، أو لا يخرج. ففي لحظة الانقلابات والحروب، يصبح البيان الأول أخطر من الطلقة الأولى، لأن الرصاص قد يفرض أمراً واقعاً لساعات، أما البيان فيسعى إلى صناعة الشرعية وإقناع الناس بأن الدولة قد تغيرت، وأن السلطة أصبحت في يد أخرى..

من هذه الزاوية تحديداً، ينبغي أن تُقرأ حرب الخامس عشر من أبريل 2023م.

*لقد انشغل الناس، وما يزالون، بالمعارك العسكرية، وبخرائط السيطرة والانسحاب، وبالخسائر والدمار، بينما بقيت معركة أخرى، لا تقل خطورة، في الظل؛ إنها معركة السيطرة على الإعلام الرسمي، وعلى الإذاعة السودانية والتلفزيون القومي، باعتبارهما المؤسسة التي يتحدث من خلالها السودان إلى شعبه وإلى العالم.

 

*ولم يكن استهداف الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون هدفاً عسكرياً معزولاً، ولا عملاً عفوياً فرضته ظروف القتال، وإنما كان، في تقدير كثير من المتابعين، جزءاً من تصور سياسي متكامل يقوم على السيطرة على مفاصل الدولة، ثم مخاطبة الشعب عبر المنبر الرسمي، تماماً كما فعلت الانقلابات العسكرية عبر التاريخ.. ولذلك فإن السؤال الذي ظل مطروحاً منذ اليوم الأول للحرب لم يكن: هل وصلت القوات إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون؟ بل كان: لماذا لم يصدر البيان؟.

*لقد ظل هذا السؤال معلقاً لأكثر من ثلاث سنوات، إلى أن بدأت تظهر شهادات من داخل الدائرة التي كانت قريبة من قيادة قوات المليشيا المتمرده الارهابيه (لدعم السريع) قبل انشقاق بعض أفرادها عنها.. ومن بين تلك الشهادات، تبرز رواية المستشار السياسي السابق للمليشيا، (إبراهيم أحمد بابجي) ، الذي قدم رواية تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تمثل الحقيقة النهائية، وإنما لأنها صادرة من شخص كان داخل المشهد، ولأنها تفسر جانباً ظل غامضاً منذ اندلاع الحرب.

*وبحسب روايته، فإن الكوادر (الهندسية والفنية) بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون اتخذت إجراءات استباقية بتأمين أنظمة البث وتشفيرها قبل مغادرة مواقعها، الأمر الذي جعل السيطرة على المباني لا تعني القدرة على تشغيل الإرسال أو استخدام المنصة الرسمية للدولة.

*إن صحّت هذه الرواية، فإنها تضيف إلى تاريخ الحرب صفحة لم تُكتب بعد، عنوانها أن معركة الإعلام لم تُحسم بالسلاح، وإنما بالكفاءة المهنية والانتماء الوطني.

*لقد اكتشف من حاول السيطرة على المؤسسة أن المباني يمكن احتلالها، لكن الخبرة لا تُحتل، وأن أجهزة الإرسال لا تعمل بقوة السلاح، وإنما بعقول الرجال والنساء الذين أفنوا أعمارهم في إدارتها وتشغيلها. وهنا تتجلى قيمة المؤسسات الوطنية؛ فهي ليست جدراناً وأسلاكاً، وإنما منظومات بشرية تراكمت فيها الخبرة والانضباط والاحتراف.

 

*ويشير (بابجي) أيضاً إلى محاولات لاستقطاب (مهندسين وفنيين) ، وإلى البحث عن أجهزة بديلة من خارج السودان، غير أن تلك الجهود، بحسب شهادته، لم تحقق غايتها. وإذا أكدت الوثائق المستقبلية هذه الرواية، فإن ذلك يعني أن المعركة الإعلامية كانت واحدة من أولى المعارك التي أخفق فيها مشروع السيطرة على الدولة.. لكن القضية، في تقديري، لم تعد تتعلق بما جرى في أبريل 2023م وحده، وإنما بما يجري الآن.

 

*فالدول التي تخرج من الحروب لا تبدأ بإعادة بناء الجدران، وإنما بإعادة بناء الذاكرة.. والذاكرة الوطنية لا تُبنى بالروايات المتعارضة، وإنما بالوثائق، وبالتوثيق، وبالاعتراف المهني بما جرى، بعيداً عن الدعاية أو التوظيف السياسي.. ولذلك فإن الشق الإعلامي من الحرب يستحق أن يُوثق في مشروع وطني مستقل، يجمع  تسجيلات كاميرات المراقبة،أن وجدت وسجلات التشغيل، وشهادات الاداريين المهندسين والفنيين ، وكل الوثائق التي تكشف للرأي العام حقيقة ما حدث داخل مؤسسة كانت تمثل، في تلك اللحظة، صوت الدولة السودانية.

*إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم بعد الحروب ليس ضياع المباني، وإنما ضياع الحقيقة.. فحين تُترك الوقائع بلا توثيق، تتحول الذاكرة إلى ساحة للصراع، ويصبح التاريخ رهينة لمن يكتب أكثر، لا لمن يملك الدليل.. ولذلك فإن إصدار (كتاب أبيض) عن الشق الإعلامي لحرب أبريل 2023م لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية. فهو وحده الكفيل بأن يحسم الجدل، ويحفظ حقوق الأفراد، ويضع الوقائع في سياقها الصحيح، ويمنع الأجيال القادمة من أن ترث تاريخاً مشوشاً أو  منقوصاً ..غير أن ثمة مفارقة تدعو إلى الأسى.

*فإذا كانت الحرب قد أثبتت قيمة الكوادر الوطنية التي حافظت ـ وفق ما ترويه الشهادات ـ على بقاء صوت الدولة خارج سيطرة المليشيا، فإن المرحلة التي أعقبت الحرب لا تبدو، في نظر كثير من العاملين، وفية لتلك التضحيات.. إذ تتردد شكاوى متزايدة من سياسات إقصاء، ومن تهميش للخبرات، ومن توجيه اتهامات عامة لبعض العاملين دون معايير قانونية واضحة، حتى بات بعض أصحاب الكفاءة يُصنفون تحت أوصاف لا تليق بمؤسسة عريقة، وكأن الولاء أصبح بديلاً عن المهنية، والحضور الطارئ بديلاً عن التاريخ الوظيفي.

*إن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ليست ملكاً لأشخاص، ولا لجيل بعينه، ولا لإدارة مؤقتة، وإنما هي مؤسسة وطنية بناها السودانيون جيلاً بعد جيل، ويفترض أن تبقى مفتوحة لكل صاحب كفاءة، وأن تُدار بالقانون لا بالمزاج، وبالمؤسسية لا بالاستبعاد.. وأقول هذا، ليس من موقع الخصومة مع أحد، وإنما من موقع المسؤولية الأخلاقية تجاه مؤسسة أفنيت فيها سنوات العمر، وأعرف من تفاصيلها ما يجعلني أدرك أن كثيراً من الوقائع لم تُكشف بعد، وأن بعض من يكتبون الرواية اليوم يحاولون، بقصد أو بغير قصد، حذف صفحات كاملة من التاريخ أو إعادة ترتيبها بما يخدم مصالح آنية.. غير أن التاريخ لا يُهزم.. قد يتأخر ظهوره، وقد تُخفى بعض وثائقه، وقد تُطمس بعض معالمه، لكنه يعود دائماً، لأن الحقيقة لا تموت، ولأن ذاكرة المؤسسات أقوى من ذاكرة الأفراد.

*وحين يُكتب تاريخ حرب أبريل 2023م كاملاً، لن تكون المعركة الإعلامية هامشاً في ذلك التاريخ، بل ستكون أحد مفاتيحه الكبرى. وسيكتشف السودانيون أن صوت الدولة لم يكن مجرد محطة إذاعية أو شاشة تلفزيونية، بل كان آخر خطوط الدفاع عن الشرعية الوطنية، وأن فشل اختطافه كان، في ذاته، واحداً من أهم الوقائع التي تستحق أن تُوثق للأجيال القادمة.

 

*وللحديث بقية… فثمة وقائع وشهادات ووثائق لم يحن وقت نشرها بعد، لكنها ستخرج يوماً، وحينها ستكتمل الصورة، ويعرف السودانيون كيف كُتبت بعض فصول الحرب، وكيف أُريد لبعضها الآخر أن يُمحى من الذاكرة.