
إيلا .. نجم مضى وبقي الضياء
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*إستقبلت مدينة بورتسودان، بل وكل ولاية البحر الأحمر، وكل السودان ممثلا في أفئدة بنيه وبناته المخلصين، إستقبلوا جثمان إبن الشرق العائد من مهجره الإضطراري الدكتور محمد طاهر إيلا، إحتشد عشرات الآلاف في مشهد قل أن يتكرر، وفي ذلك أكثر من إشارة مجتمعية وسياسية وجهوية ، فالرجل صاحب قيمة عالية بين أهله هناك، وقامة عالية، بعيداً عن أي ولاءات أو إنتماءات سياسية.
*صحيح أنه كان منضوياً تحت لواء الحركة الإسلامية من بواكير صباه وشبابه، وليس كل أهل الشرق حركة إسلامية، بل بالعكس نجد أن غالبيتهم مع الحزب الإتحادي الديمقراطي، بل وللدقة نجدهم الأكثر إرتباطاً والأقوى وثاقاً بالطائفة الختمية، وهتاف الأكثرية في مناطق البحر الأحمر هو (عاش أبوهاشم) خاصةً في مسقط رأس الدكتور محمد طاهر إيلا – رحمه الله رحمة واسعة -، ويكفي أن حولية (ستي مريم) تقام غير بعيد من منطقة الدكتور إيلا، فحولية الشريفة مريم الميرغنية يحتفل بها أهل الشرق جميعاً ، في مدينة سنكات، وهي أقرب مدينة لجبيت.
*إرتباط أهل الشرق القوي بإبنهم الراحل محمد طاهر إيلا، سببه إرتباطه هو نفسه بهم، فقد نذر حياته لخدمتهم، وكان متفوقاً في دراسته، وتم إبتعاثه إلى خارج السودان للدراسات العليا في جامعة كاروف بالمملكة المتحدة ، ونال الدبلوم العالي في النقل البحري من هولندا، ودبلوم إدارة الموانئ من ألمانيا ، وشارك في عدد من السمنارات والكورسات بالداخل والخارج ، وظل ولاؤه دائماً للشرق، حتى من خلال عضويته أو رئاسته لعدد من مجالس إدارة الشركات والمؤسسات، وهي عديدة؛ ومن خلال عضويته أو رئاسته لعدد من مجالس الأمناء في مؤسسات الدولة أو المؤسسات التعليمية المتخصصة مثل الأكاديمية البحرية بالاسكندرية وجامعة البحر الأحمر، مع عضويته في المجلس الوطني لدورتين وغير ذلك من النشاط والعمل العام .
* وقد كان همه الشرق وإنسان الشرق ، وربما لأنني أنتمي وأرتبط بالشرق والبحر الأحمر إرتباطاً وثيقاً بحكم أن والدتي رحمها الله من هناك، أكاد أعرف إرتباط أهل الشرق بالغائب الحاضر، الذي عاد إلى أهله محمولا على الأعناق مثلما عاش ؛ والذي تولى أكثر من منصب وزاري فكان هو والنجاح وجهان لعملة واحدة.
*وأعود بالذاكرة قليلاً إلى فترة إنهاء تكليفه كوالٍ الولاية الجزيرة ، ليكون رئيساً للوزراء أواخر أيام الإنقاذ، ونحن نذكر أنه إستهل عهده بحل عدد من الهيئات والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، و(صفّق) كثيرون لقرار حل المؤسسة العامة للبترول، لما كان يدور حولها من (قيل وقال)، ثم أعقب ذلك حل مجلس إدارة الشركة السودانية للسكر، وإعفاء مديرها العام ، وربما هناك مؤسسات وهيئات وشركات كثيرة كانت في الطريق المْفِضي إلى الحل، لأسباب قدرتها السلطة الحاكمة آنذاك، وهي بحسابات المواطن المسكين – مثلي ومثلك – من غير متخذي القرار، هيئات أو شركات أو مؤسسات لا يدخل منها شيء في الخزينة العامة ، يمكن أن يكون مؤثراً على الوضع الإقتصادي العام ، ولكنها توفر إمتيازات لا تتوفر لموظف القطاع العام ، من حيث المرتب أو العلاج أو التأمين وغير ذلك من إمتيازات تتمثل في البدلات النقدية وبدلات السفر خاصة إلى الخارج في رحلات أقرب للنزهات أو السياحة ، إذ أن كثيراً من الأعمال والإتفاقيات والدراسات، أصبح من الممكن أن تتم عن طريق التواصل الالكتروني من خلال شبكات الإنترنت ، التي توفرت في كل العالم بعد ثورة الإتصالات.
*ونذكر أنه من الشركات والهيئات والمؤسسات الحكومية التي كانت ولا زالت تحتاج إلى مراجعة أوضاع حقيقية هي وجود ثلاث شركات لتوليد ونقل وبيع وشراء الكهرباء، وتعيين مديرين مكلفين لخمس شركات مملوكة للدولة ، بعد أن كانت كل هذه الخدمات تقوم بها الهيئة القومية للكهرباء ، إلى أن صدر القرار الجمهوري رقم 468 لسنة 2016م الذي قضى بإنشاء شركة قابضة للكهرباء، تتبع لها شركات التوليد والنقل والتوزيع ، وقد سبق ذلك القرار بستة أعوام، قرار بإنشاء الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء المحدودة في الثامن والعشرين من يونيو عام (2010 م) وذلك بموجب القرار رقم 169 الصادر من مجلس الوزراء، والذي قضى بإلغاء أمر تأسيس الهيئة القومية للكهرباء، وأيلولة كل عقاراتها ومنقولاتها وحقوقها وإلتزاماتها للشركات المنشأة في مجال الكهرباء، مع ملاحظة أن هناك وزارة مختصة مسؤولة عن السدود والري وإنتاج الكهرباء.
*من الطبيعي أن يكون المستهدف بالخدمة هو المواطن، ولابد من حالة (رضا الزبون) في مثل هذه الشركات ، وقد حدث تحسن كبير في عملية إنتاج الكهرباء وفي عملية الإمداد في ذلك الوقت، وهذا طبيعي مع قيام السدود خاصة سد مروي وسدي نهري عطبرة وسيتيت، وتأهيل عدد من محطات التوليد الحراري، لكن المواطن لم يصل إلى مرحلة (رضا الزبون) رغم تعلية خزان الروصيرص، وذلك ليس من قيمة الاستهلاك أو التسعيرة العالية مقارنة بمستوى دخول عامة المواطنين فحسب، بل من ناحية الإستمرار والإستقرار في الإمداد .. تجربة إيلا وما قبلها وما بعدها، وتجارب خروج عديد من المدن من الشبكة القومية وحالات الإظلام التام لفترات متقاربة ، وكل هذا كان يتطلب مراجعة هذه الشركات ، وإعادة النظر فيها ، بل وحلّها إن تطلّب الأمر.
*غاب بالأمس نجم مضيئ من نجوم السياسة والعطاء، والبذل المتواصل من أجل وطننا المنكوب وأهله ، ولكن ضوء النجم باق يضيئ الطريق لمن أراد ببلادنا خيراً، كما كان كذلك الراحل المقيم، والسياسي والتنفيذي العظيم الدكتور محمد طاهر إيلا . ونشهد انه كان كذلك ، رحمه الله رحمة واسعة وعفا عنه وغفر له واسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا إنا لله وإنا إليه راجعون