آخر الأخبار

تأجيل الألم… الحكومة التي يستحقونها (1-2)

د. كرار التهامي

*كتبت ذات العنوان في مقال سابق نشرته الرواية الأولى بتاريخ ٥-٥-٢٠٢٥ وتحدثت عن ماهية الحكومة التي يستحقها الشعب السوداني، ولكن سؤال الراهن يطرح فرضية مضادة إذ ماهو الشعب الذي تستحقه الحكومة؟.
*إن فكرة (الحكومة التي يستحقونها) وردت في كتاب بالإنجليزية للمفكر الراحل د. منصور خالد بعنوان:
The Government They Deserve
يتناول دور النخب السودانية في التطور السياسي والحكومات التي لم تشف غليل الشعب السوداني وتوقه للحوكمة والدولة الرشيدة والديمقراطية
والعبارة ليست من بنات أفكار منصور فهي كانت متداولة في ادبيات السياسة منذ عقود طويلة قالها ونستون تشرشل قبل سبعين عام (كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها) وسبقه توماس جيفرسون الرئيس الأمريكي الذي قال (كل أمة تنال الحكومة التي تستحقها)وقبلهم بأكثر من مائتي عام قالها الفيلسوف الليبرالي المنظر للملكية الفرنسية بعد اختلاج واضطراب الثورة جوزيف دي مايستري‏ A country gets the leaders it deserves
*وهي أقرب في المعنى للحديث الشريف المختلف حوله (أنتم مثل ما يولى عليكم)أو في رواية أخرى (كيفما تكونوا يولى عليكم) والعبارة هنا أكثر دقة من العبارات السابقة.. فالشعب لا تحكمه الحكومة التي يستحقها لكن تحكمه الحكومة التي تشبهه والفكرة شبيهة بعبارة جيمس ألن في كتابه (كما يفكر الرجل ) حيث يقول :ان الإنسان يجذب إلى حياته ما يشبه حالته الداخلية وشخصيته وطريقة تفكيره، لا مجرد رغباته المعلنة.. هكذا فالشعب إذا لم يغير ما بنفسه صعب أن تغيره حكومة فالحكومة هي الإسقاط الوجداني للشعب في مهنة السياسة والحكم وهي الحالة الذهنية للشعب والطاقة الإيجابية التي ينطلق منها نحو الكون.
*إذن فالاستحقاق الأكبر هو على عاتق الشعب والعبء الجسيم على كاهله وهو الثابت في ترسيم معادلة السلطة بينما الحكومة هي الدالة المتحركة تزيد أو تنقص حسب طبع الشعب وقدراته في صناعة الحياة فإذا كان الأخير سخيا في بذله ونضاله جاءت الحكومة بالبشائر والكمالات وإذا كان متنطعا عاريا من فضيلة التفاؤل لا يملك إلا الشكوى والضجر و منقطعا عن العمل الجاد انقطعت الدولة وتعرت من كل فضيلة.
التناص السياسي:
*كيف يستحق الشعب حكومته وكيف تستحق الحكومة شعبها هذه معادلة (التناص السياسي) فوهج الحكومة من قنديل الشعب إذا أضاء لها مشت فيه وإذا أظلم عليها قامت..هكذا فلكي يستحق شعبٌ ما حكومته بالضرورة أن تسكن أحلامه في أطراف أعصابها فيحس بالوخز والألم عندما تضيق فسحة العيش وتدلهم الخطوب.
*فالشعب الواعي في الظروف الصعبة لايلقي حكومته في اليم وينظر إليها تجاهد الموج المتلاطم والتيار حتى الشهقة الأخيرة إذ يسرع إليها بين حواف الموج والخوف والغضب ويسبح معها حتى منتصف النهر وبعدها لامعنى لتغيير الخيول كما يقول المثل الإنجليزي( لا تغير حصانك في منتصف النهر)Don’t change horses in the midstream
مثلث استقرار الدولة:
*في نظرية رييكا شيف التوافق concordanceتقوم الدولة المستقرة على الانسجام بين ثلاثة أضلاع (الجيش ) و( الشعب ) و ( النخب) فيما يخص الحرب نجح الجيش كضلع من الأضلاع الثلاثة فيما يليه فقدم آلاف الشهداء من الجنود والضباط ذوي الرتب الكبيرة- ذلك من أمارات هذه الحرب – أن يستشهد كبار الضباط بهذه الأعداد فلقد كانوا شجعانا مصاليت لاقوا العدوبجأش رابط وجيش مرابط ولجّوا في حومة الحرب ولم يحفلوا وتقحموا فيها ولم يعبأوا
دفعوا مهر الدم في رفقة قطاع حي من شباب الوطن وشيبه فحموا بيضة الدولة من الاستعمار الجديد استعمار الوكالة أو الاستعمار الثانويsub-imperialismوحموا تاريخنا الحضاري من أن يتحول إلى دولة بدائية تدار بالألواح القديمة و(ضرب الرمل ) والشعوذة والأحجبة والتمائم والشعور الطويلة المتسخة و أراجيز البداوة والتوحش والرعاة الهائمين في الفلاة خارج عمران الحداثة والتمدن.
القدرة الأخلاقية على تأجيل الألم:
*كان ونستون تشرشل يسخر من الذين كانوا ينتقدون أداء حكومته أثناء الحرب بسبب صعوبة الحياة ويقول عن الذين لا يصبرون على طعام واحد مثل قوم موسى انهم يريدون السلامة دائمًا وهناءة العيش في اللحظة التي يطلب فيها التاريخ الشجاعة.
*كان تشرشل يحاول إقناع الناس بأن إدارة الحرب لا تُقاس فقط بغلاء المعيشة اللحظي، بل بمصير الدولة كله فصبر البريطانيون وضربوا المثل النادر في كسر الخوف وتحمل الجوع و المسغبة وقساوة العدم والفقرولم يبكتوا حكومتهم أو يغلظوا عليها.
*ففي الأزمنة الحرجة لا تُقاس الشعوب بما تملكه من رفاه، بل بما تملكه من قدرةٍ أخلاقية على تأجيل الألم حمايةً لفكرة الوطن نفسها ذلك كان سر صمود الإنجليزفي الوقت الذي انهارت فيه كل أوروبا المتخمة ولأن الحرب لها أخلاقها والسلام له اخلاق عاد البريطانيون بعد الحرب ليطيحوا ببطلهم المثالي فأبطال الحرب ليسوا هم بالضرورة أبطال السلام ولكل مقام مقال.