
موقف مصر الثابت.. عملية سياسية بملكية سودانية
عمرو خان
*في لحظة شديدة التعقيد من مسار الأزمة السودانية، تبدو القاهرة أكثر تمسكًا من أي وقت مضى بقاعدة تعتبرها جوهرية لأي تسوية قابلة للحياة: لا حل للسودان من الخارج، ولا مستقبل للدولة السودانية يمكن أن يُبنى بعيدًا عن إرادة السودانيين أنفسهم.. ومن هنا يأتي التأكيد المصري المتكرر على أن تكون العملية السياسية (بملكية سودانية خالصة)، بالتوازي مع الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
*الاتصال الهاتفي الذي جرى في 9 أغسطس بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوداني محيي الدين سالم لم يكن مجرد حلقة جديدة في سلسلة الاتصالات الثنائية، وإنما جاء ليؤكد ثبات محددات السياسة المصرية تجاه الأزمة السودانية، وفي مقدمتها دعم الدولة الوطنية والحفاظ على مقدراتها، ورفض أي مسار يفضي إلى تفكيك مؤسساتها أو إنتاج كيانات موازية لها.. وقد أكدت القاهرة في مناسبات متعددة أن الحل السياسي الشامل يجب أن يستجيب لتطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار والتنمية.
*الملكية السودانية ليست شعارًا سياسيًا
الحديث عن (الملكية السودانية) لا يعني بالنسبة إلى مصر الابتعاد عن الأزمة أو ترك السودان وحيدًا في مواجهة تداعيات الحرب، بل يعني أن يكون الدعم الإقليمي والدولي موجّهًا إلى تمكين السودانيين من صناعة مستقبلهم، لا إلى صناعة مستقبل نيابة عنهم.
*فالتجارب الإقليمية خلال السنوات الماضية أظهرت أن التسويات التي تُفرض من الخارج، أو التي تتجاهل بنية الدولة ومؤسساتها ومصالح المجتمع، يمكن أن تنتج اتفاقات مؤقتة لكنها لا تنتج بالضرورة سلامًا مستدامًا.
*ومن هذا المنطلق، ترى القاهرة أن العملية السياسية المطلوبة للسودان ينبغي أن تكون شاملة، سودانية القيادة والقرار، وتحافظ في الوقت نفسه على الدولة ومؤسساتها الوطنية، باعتبارها الإطار الذي يمكن من خلاله إدارة مرحلة الانتقال وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات وتهيئة البلاد للاستقرار.
*وهنا تتقاطع الرؤية المصرية مع مفهوم أوسع تتبناه القاهرة في معالجة أزمات المنطقة، يقوم على دعم وحدة الدولة وسلامة أراضيها ومؤسساتها، ورفض تحويل الأزمات الداخلية إلى مدخل لإعادة رسم خرائط النفوذ أو إنتاج كيانات سياسية وأمنية موازية.
*مصر.. من الدعم الثنائي إلى التحرك الإقليمي والدولي: لم يقتصر الموقف المصري على البيانات السياسية أو الاتصالات مع الحكومة السودانية، بل امتد إلى التحرك داخل الأطر الإقليمية والدولية.. فمصر انخرطت في جهود الرباعية الدولية الخاصة بالسودان، كما عملت على التواصل مع الولايات المتحدة والأطراف الدولية والإقليمية المختلفة بهدف دعم التهدئة، وتهيئة الظروف أمام وقف مستدام لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية. وأكدت القاهرة أن هذه الجهود يجب أن تنتهي إلى تسوية تحفظ سيادة السودان وتلبي تطلعات شعبه.
*كما قادت مصر تحركًا داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي، وشددت على ضرورة دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، إلى جانب الدعوة إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية بصورة عاجلة.
*واللافت هنا أن التحرك المصري لا يقدم نفسه باعتباره بديلًا عن الجهود الأفريقية أو الدولية، وإنما يسعى إلى توحيد المسارات ومنع تضارب المبادرات.. وهي نقطة مهمة في أزمة تعددت فيها المبادرات والوسطاء، بينما ظلت الحاجة قائمة إلى مسار أكثر اتساقًا يمكن أن يقود في النهاية إلى تسوية سياسية حقيقية.
*الحفاظ على مقدرات الدولة شرط سابق للسلام: من زاوية القاهرة، فإن الحديث عن السلام لا يمكن فصله عن الحفاظ على الدولة السودانية نفسها
فالسودان لا يواجه أزمة سياسية فقط، وإنما حربًا امتدت آثارها إلى مؤسسات الدولة والبنية التحتية والخدمات والاقتصاد والنسيج الاجتماعي. ولذلك فإن أي تسوية لا تضع في مقدمة أهدافها حماية مقدرات الدولة وإعادة بناء مؤسساتها ستكون عرضة لإنتاج أزمة جديدة حتى بعد توقف القتال
وهنا تبدو أهمية الموقف المصري الرافض لأي خطوات يمكن أن تهدد وحدة السودان أو تخلق كيانات موازية لمؤسساته.. وقد أكدت القاهرة صراحة رفض إنشاء كيانات موازية، وربطت بين وقف إطلاق النار وبين استئناف عملية سياسية قائمة على مبدأ الملكية السودانية للحل.
*فالسلام، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد إسكات البنادق، وإنما استعادة قدرة الدولة على القيام بوظائفها، وإعادة تشغيل مؤسساتها، وتهيئة البيئة اللازمة لعودة المواطنين إلى مدنهم وقراهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
*الأمن والاستقرار مصلحة سودانية ومصرية وإقليمية: ولا يمكن قراءة الدعم المصري للسودان بمعزل عن طبيعة الجغرافيا السياسية للبلدين. فالسودان بالنسبة إلى مصر ليس ملفًا خارجيًا تقليديًا، وإنما يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري وبأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل.. ولهذا تؤكد القاهرة بصورة مستمرة أن أمن السودان واستقراره ووحدته جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على الدولة السودانية يصب في مصلحة الشعب السوداني أولًا، كما يخدم استقرار المنطقة بأكملها.. وقد شددت مصر في تحركاتها الأفريقية على أن دعم المؤسسات الوطنية وتمكينها من أداء مسؤولياتها في حفظ الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لتحقيق السلام والتنمية.
*لكن الأهم أن هذا الدعم لا ينبغي أن يُختزل في البعد الأمني وحده؛ فاستقرار السودان يحتاج كذلك إلى إعادة بناء الاقتصاد، واستعادة الخدمات، وعودة الحياة إلى المدن، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، ثم الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار والتنمية.. وتدرك القاهرة أن الطريق إلى ذلك يبدأ بوقف الحرب، لكنه لا ينتهي عنده القاهرة.. دعم السودان دون مصادرة قراره
في النهاية، يمكن تلخيص الموقف المصري في معادلة واضحة: دعم السودان لا يعني التدخل في صناعة قراره، والوقوف إلى جانب الدولة السودانية لا يعني مصادرة حق السودانيين في تحديد شكل مستقبلها السياسي.. وهذا هو جوهر عبارة (عملية سياسية بملكية سودانية خالصة) التي تكررها القاهرة في اتصالاتها وتحركاتها الإقليمية والدولية
فمصر تدعم وقف إطلاق النار، وتدعم التهدئة، وتدعم المسار السياسي، وتتحرك مع القوى الإقليمية والدولية، وتدعو إلى وصول المساعدات الإنسانية، وتساند جهود الحفاظ على مؤسسات الدولة؛ لكنها في الوقت ذاته تتمسك بأن تكون إرادة السودانيين هي البوصلة النهائية لأي تسوية.
*والرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط على قدرة الوسطاء على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، وإنما على قدرتهم على إنتاج مسار يحمي الدولة السودانية، ويحفظ مقدراتها، ويعيد الاستقرار إلى مواطنيها، ويفتح الطريق أمام عملية سياسية سودانية واسعة تضع نهاية للحرب وتؤسس لمرحلة جديدة.. ومن هنا، فإن الموقف المصري لا يبدو بحثًا عن تسوية سريعة بقدر ما هو دفاع عن تسوية قابلة للحياة؛ تسوية لا تنهي الحرب فقط، بل تمنع تحول السودان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، وتحافظ على وحدته، وتترك للسودانيين وحدهم حق صياغة مستقبل بلدهم.
*وهذه، في جوهرها، هي الرسالة التي تحملها القاهرة اليوم: السلام في السودان يجب أن يكون سودانيًا، والدولة السودانية يجب أن تبقى موحدة، ومقدراتها يجب أن تُصان، ومستقبلها يجب أن يقرره
شعبها.
*كاتب صحفي مصري