آخر الأخبار

إذا عادت الأجهزة إلى الخرطوم… فمن يعيد الإنسان إلى الإذاعة؟ (2-4)

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*إدارة تطالب بالإنجاز، لكنها تعطل أدوات الإنجاز؛ وتطالب بالمسؤولية، لكنها لا تمنح المسؤول مساحة العمل؛ وتطالب الموظف باحترام المؤسسة، بينما لا يجد هو نفسه مؤسسة تحترم دوره وصلاحياته.. وهذه مفارقة إدارية لا يمكن أن تنتج مؤسسة قوية.

*فلا يمكن أن نطلب من العامل أن يكون منتجاً في بيئة لا تفتح له أبواب العمل، ولا من المدير أن يكون مسؤولاً إذا كانت صلاحياته لا تُحترم، ولا من اللجنة أن تحقق نتيجة إذا كان تفويضها نفسه لا يُعامل بالجدية المؤسسية المطلوبة.. إن السلطة الحقيقية ليست في تعطيل الآخرين، وإنما في تمكين المؤسسة من العمل.

*وحين تصبح الصلاحيات غامضة، والتفويضات غير محترمة، وقنوات الاتصال مسدودة، فإن الخلل لا يعود خللاً في الموظف أو اللجنة، وإنما يصبح خللاً في النظام الإداري ذاته ولهذا فإن إصلاح الهيئة يبدأ أيضاً من قاعدة بسيطة لكنها جوهرية: احترموا التسلسل المؤسسي، واحترموا التفويض، واحترموا الإدارات بعضها بعضاً، ثم طالبوا الجميع بالإنجاز

فلا يُعقل أن نغلق أبواب الإنجاز في وجه العاملين، ثم نحاسبهم لأنهم لم ينجزوا.

*إن نتائج سوء التنظيم حين يعمل موظفون في أعمال بعيدة عن تخصصاتهم، أو توضع الكفاءات في مواقع لا تحتاج إلى خبراتها، أو يحدث العكس، ويشير إلى أن مثل هذا الخلل يقود إلى قصور الأداء وزيادة تكاليف الإدارة.. فكيف يمكن أن نطالب مؤسسة إعلامية حكومية بأن تنتج إعلاماً قوياً، بينما لا نضع مواردها البشرية في أماكنها الصحيحة؟

كيف نريد صوتاً وطنياً قوياً إذا كان أصحاب الصوت أنفسهم خارج المؤسسة؟.

*وهنا نصل إلى القضية الأكثر إيلاماً: الإنسان.. هناك عشرات، بل مئات من العاملين الذين ظلوا طوال هذه السنوات في أوضاع مهنية ونفسية وإدارية بالغة الصعوبة. وهناك من بلغ سن المعاش وفق القانون، لكن السؤال الذي لا ينبغي أن يدفن في الملفات هو

أين مستحقات هؤلاء؟ هؤلاء ليسوا أرقاماً في كشوفات المرتبات

هؤلاء مذيعون ومخرجون ومهندسون ومحررون وفنيون ومصورون ومنتجون وإداريون وعمال وخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة بعضهم أفنى عمره في خدمة الإذاعة والتلفزيون.

*ومن غير العدل أن تكون نهاية خدمته مجرد قرار معاش، ثم انتظار طويل لمستحقات قد تكون بالنسبة إليه مسألة حياة ومعيشة وكرامة.. إن المؤسسة التي لا تحفظ حقوق من خدموها طويلاً، لن تستطيع أن تبني الثقة في الأجيال الجديدة

والأخطر من ذلك أن الشعور بالإقصاء حين يصبح عاماً لا يقتل الوظيفة فقط، بل يقتل الانتماء للمؤسسة.

*أن العلاقات داخل المؤسسة ليست مجرد خطوط على خريطة تنظيمية، وأن رضا العاملين والنظرة الإنسانية إليهم لهما أثر مباشر في الإنتاجية..   بل أن التنظيم غير الرسمي ينشأ من حاجة العاملين إلى الانتماء والأمن والمشورة، وأنه قد يصبح وسيلة للدفاع عن الحقوق والمطالب المهنية.

*ولهذا فإن ظهور مجموعات العاملين للدفاع عن حقوقهم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تمرداً على الإدارة.. بل ينبغي أن يُفهم باعتباره جرس إنذار إداري يقول إن هناك شيئاً يحتاج إلى المعالجة.. حين يشعر الموظف أن صوته لا يصل عبر القنوات الرسمية، فإنه يبحث عن قناة أخرى.. وحين يشعر أن مطالبته بحقه يمكن أن تُفسر على أنها عدم ولاء، تصبح المؤسسة أمام مشكلة أخطر من مجرد خلاف وظيفي.

*فالولاء للمؤسسة لا يعني الصمت عن أخطائها، والاحترام للقيادة لا يعني تعطيل حق العامل في السؤال ..إن الإدارة الحديثة لا تخاف من النقد المهني؛ بل تستفيد منه ..أما الإدارة التي ترى في كل صوت مخالف تهديداً، فإنها تنتهي غالباً إلى صناعة بيئة يسمع فيها المسؤول ما يحب أن يسمعه، لا ما يحتاج إلى سماعه ..وهنا ينبغي أن نقول للسيد وزير الثقافة والإعلام، بكل احترام، ووضوح ليس الإنجاز أن تُجمّل المباني وحدها

وليس الإنجاز أن نرى صوراً للحدائق والمسطحات الخضراء، مهما كانت جميلة.. فالزهور جميلة، نعم والحدائق مهمة، نعم لكن المؤسسة الإعلامية لا تقاس بعدد الأزهار المزروعة حولها، وإنما بعدد البرامج التي تنتجها، وجودة رسالتها، وكفاءة كوادرها، وقدرتها على الوصول إلى الجمهور، واستقرار العاملين فيها، وحفاظها على أرشيفها وذاكرتها المهنية.

*لا مشكلة في أن نهتم بالمباني بل إن المبنى المحترم جزء من احترام المؤسسة لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المبنى بديلاً عن المؤسسة، وتصبح الصورة بديلاً عن الإنجاز، وتصبح صيانة الحديقة أهم من صيانة الروح المهنية للعاملين.

*وإذا كان السيد الوزير يتحدث عن إنجازات لم يحققها السابقون، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي أنجزناه في الإنسان؟..كم كادراً أعيد إلى موقعه؟ كم مظلمة عولجت؟ كم حقاً وظيفياً أُعيد إلى صاحبه؟ كم مديراً أو خبيراً عاد إلى موقعه الطبيعي بناءً على الكفاءة؟ كم إدارة أعيد تنظيمها على أساس علمي؟ كم برنامجاً إذاعياً وتلفزيونياً استعاد عافيته؟ كم جهازاً عاد للعمل؟ كم أرشيفاً أنقذناه؟ كم شاباً دربناه؟.

*هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح عندما نتحدث عن إنجاز مؤسسة إعلامية وطنية أما المباني، فهي وسائل.. الإنسان هو المؤسسة ولذلك فإن الحديث عن إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يجب أن يخرج من دائرة الأشخاص إلى دائرة النظام.