آخر الأخبار

بكاء النخيل 

قصة

 

د. خلف محمد كمال

لم يكن يعلم أنّ جارته تراقبه جيئة وذهابا حينما يستيقظ من نومهليأتي بأرغفة الخبز من الفرن، الفول والطعمية التي تفوح رائحتهالتصل إلى دارها،  وحين يخرج صباحا بالماشية إلى الحقل، ترىذراعيه المفتولين وهو يرفع  شيكارة السماد على ظهر حماره وكأنّهاقشة، ثم يعود ليأخذ موتور المياه ” الشفاط ” كما يطلقون عليه لريالزرع، تذهب لتوقظ طفلها فتهيئه للحضانة المجاورة تعلل طفلها بأنوالده سيعود قريبا ويجلب له الهدايا واللعب، تقم زوجته المنزل وتغسلادوات الطهي، ثم تأخذ في منديل بعض كسرات الخبز البلدي و طبقالقريش وعدة الشاي وتذهب  إلى الحقل،  دفعها انهماك زوجته في قضاء شئون البيت وعدم اهتمامها بنفسها، إلى التفكير في أن تتجملأكثر خاصة أنها متفرغة طوال اليوم لا يشغلها إلا طفلها حيث يرسلإليها زوجها المغترب نفقات المعيشة على قدر ما تحتاج إليه،

طالت فترة الغياب وانتعش داخلها يحثها على الحديث مع الجار الجادالمنهمك في عمله، وقفت أمام بابها حين ألقى تحية الصباح، ردتباسمة، الذرة طابت؟

قال: نعم عندما أعود في آخر النهار سآتي لك ببعض قناديل الذرة

أوقدت النار وفاحت رائحة القناديل وتراقص طفلها فرحا حول الموقد،تتعلل أمّه بالنوم، ينام الطفل ولكن يأخذها الخيال بعيدا، متى يأتيالغائب؟ لقد وعدها مرارا بأنه سياتي قريبا ويمرّ العام تلو العام دونوجوده بينهم!

كانت زوجة الجار منهمكة دائما في اعمال المنزل منذ الصباح تحلبالماشية وتخرجها خارج الدار تنظف تحتها وتأخذ الروث لتلقيه خارجالمنزل ريثما يحمله زوجها إلى الحقل

تقف لتنظر إليه صباحا ورواحا

تبتسم في رد تحيته كلما القى عليها السلام

ذات صباح فاجأها ” إيه الحلاوة دي ”

ردت: حلاوتك يا سبع

جاء العيد دفعته المروءة أن يدخل على جارته ليسعد طفليها بالعيدية

صافحها فضغطت على كفه طويلا،

لم يكن بمقدوره الدخول عليها ألا في هذا اليوم،

همست له نورتنا ما نتحرمش من دخلتك علينا، فكر كثيرا كيف يسعدقلبه ويرضي نزقها، خاصة وان زوجته مع عدم اهتمامها بنفسها غيورةعليه، استغل تلاصق السطوح فينزل إلى البيت المجاور في هدأة منالليل حسب ما اتفقا عليه ليطفئ ظمأها ويبرد نار قلبها، ربما لاحظطفلها حركة أو سمع همسا خاصة وأنّ الظلام مطبق، فحين تعرفقدومه تطفئ المصباح

استمر الحال شهورا و حضر الزوج، يحمل الهدايا لزوجته وطفله كانمن بين هداياه محمول سبق أن طلبه منه طفله ليلعب بألعاب فيه،

في أثناء خروج الزوج يفاجأ الطفل بحضور الجار فتطلب أمّه منه أنيذهب ليشتري الحلوى، ويلعب في الشارع، لكنّ الطفل الذي يبلغ منالعمر خمس سنوات، لفت انتباهه تكرار الطلب عند حضور الجار، اصطحبه والده ذات يوم إلى مزرعة الجار وببراءة الأطفال يحكي عنمعاملة جاره له وأنه كلما يحل البيت تسارع أمه بأن تعطيه ليشتري مايحبه من الحلوى، كان الأب يدرب طفله كيف يصور الحقل والطيوروالنخيل، ثم همس في أذنه:” حبيبي عندما أكون خارج المنزل ويأتيجارنا الطيب فاختبئ بعد أن تطلب أمك شراء حلواك وقم بتصويرالمكان، اختبأ الطفل وأدار الفيديو  فرأى أشياء غريبة لم يعهدها منقبل، غار على أمّه وهي في أحضان جاره، صرخ: “ايه ده ياأمي”؟،قاما فزعين إلى الطفل، خطف الجار المحمول من يده، وفكرت أمّه كيفتمحو جريمتها قبل أن يقص الطفلَ على أبيه ما حدث، في الصباحاستمعت و الجار بكاء عصفور على رأس نخلة واقفة بين الدارينتثيرها الدهشة فتئنّ ثمّ تشارك العصفور هديله.

 

* قاص وكاتب من مصر