في ظل إنعدام الكهرباء بالشمالية.. الأمن الغذائي في مهب الريح (2-2)
- مليارات الجنيهات تحترق في الحقول.. وبساتين الشاطراب تنتحر عطشا
- مزارع من كورتي يرسم لوحة حزينة لما يحدث بمشروع النهضة الزراعي
- مزارعو حسينارتي: ظللنا نتلقى الوعود بعودة الكهرباء بينما محاصيلنا تذبل يوما بعد آخر
- مزارع من فقيرنكُتي: أزمة الكهرباء بالشمالية أصبحت تهدد أرزاق آلاف الأسر
الدبة – عادل الحاج:
على إمتداد الشريط النيلي في الولاية الشمالية، حيث ظلت الأرض لعقود طويلة تجود بالقمح والتمور والموالح والخضروات والأعلاف، يتكرر اليوم مشهد مؤلم لم يألفه سكان المنطقة من قبل.. حقول شاحبة فقدت خضرتها، وأشجار مثمرة تصارع العطش، ومزارعون يقفون عاجزين أمام محاصيل أنفقوا عليها مدخراتهم ثم رأوها تذبل أمام أعينهم بسبب الإنقطاع المتواصل للتيار الكهربائي.. ففي ولاية تُعد من أهم المناطق الزراعية في السودان، لم يعد الحديث عن الكهرباء مجرد شكوى من إنقطاع خدمة أساسية، بل أصبح حديثاً عن خسائر بالمليارات، وأحلام تتبخر، وأمن غذائي بات مهدداً بصورة غير مسبوقة.. وبين المزارعين والمستثمرين والرعاة تتعدد الروايات، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو أن الكهرباء أصبحت اليوم العامل الفاصل بين الحياة والموت للقطاع الزراعي.. التحقيق التالي يكشف كيف تسبب إنعدام الكهرباء في إحتراق المحاصيل الزراعية عطشا بمحليتي مروي والدبة.
البساتين تحتضر:

وفي منطقة كورتي، يرسم المزارع، عبد الجليل حسن سر الختم، لوحة حزينة لما يحدث في مشروع النهضة الزراعي والمشروعات المجاورة، مشيرا إن المنطقة كانت تشتهر ببساتين المانجو والبرتقال والقريب فروت والنخيل، إضافة إلى الخضروات والمحاصيل الحقلية المختلفة لكن الإنقطاع المتكرر للكهرباء أدى إلى توقف محطات الري وتعطل عمليات ضخ المياه، ما تسبب في جفاف مساحات واسعة من الأشجار المثمرة.. ويضيف:
بعض الأشجار التي إستغرق نموها سنوات طويلة بدأت تموت فعلياً بسبب العطش، كما حدث لبساتين الشاطراب، بينما إضطر بعض المزارعين إلى قطع الأشجار الجافة وتحويلها إلى حطب أو فحم لتعويض جزء من خسائرهم.. ولا تتوقف التداعيات عند حدود الجفاف فقط، فجفاف الأشجار وتراكم المخلفات النباتية اليابسة أسهما في زيادة مخاطر الحرائق التي شهدتها الولاية الشمالية خلال الأشهر الأخيرة، ومع إرتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية خلال فصل الصيف، أصبحت المزارع أكثر عرضة للإشتعال، مما يضاعف حجم الخسائر ويهدد ما تبقى من الرقعة الزراعية.
ولم تسلم الثروة الحيوانية من تداعيات الأزمة حيث يؤكد الراعي، أحمد علي محمود، من حسينارتي، تراجع إنتاج البرسيم بسبب ضعف الري الذي أدى إلى نقص الأعلاف وإرتفاع أسعارها بصورة كبيرة..ويقول:
البرسيم يمثل الغذاء الرئيسي للأبقار والأغنام والماعز والإبل، وتراجع إنتاجه إنعكس مباشرة على الرعاة ومربي الماشية.. وبعض المزارعين إضطروا إلى إطلاق الماشية داخل الحقول الزراعية فيما يعرف محلياً بـ(البَرَوِّد)، بعد أن فقدت المحاصيل قيمتها الإقتصادية نتيجة الجفاف والذبول.. وهذه الظاهرة تعكس حجم الخسائر التي لحقت بالقطاعين الزراعي والحيواني معاً
آسى وحسرة:
وفي حديث يملؤه الأسى والحسرة، أكد الحاج الياس محمد أحمد، أحد مزارعي منطقة فقيرنكتي، أن أزمة انقطاع الكهرباء بالولاية الشمالية لم تعد مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى كارثة حقيقية تهدد مستقبل الزراعة ومصادر رزق آلاف الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة على النشاط الزراعي، وقال إن الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي لأكثر من شهر أدى إلى احتراق مساحات واسعة من المزروعات ومنها القمح، وتلف أجزاء كبيرة من المحاصيل التي كانت في مراحل نمو حرجة وتحتاج إلى الري المنتظم، مشيراً إلى أن المزارعين ظلوا عاجزين عن تشغيل طلمبات المياه بسبب توقف الإمداد الكهربائي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الإنتاج الزراعي وأدى إلى خسائر مالية فادحة، وأضاف أن الضرر لم يقتصر على صغار المزارعين فحسب، بل طال المستثمرين الزراعيين الذين أنفقوا مبالغ طائلة على تجهيز الأراضي وشراء التقاوي والأسمدة ومدخلات الإنتاج المختلفة، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ يتمثل في جفاف الزروع وذبولها بسبب انقطاع الكهرباء.. وانتقد الحاج الياس ما وصفه بحالة الصمت والتجاهل من قبل الجهات المسؤولة، قائلاً إن المواطنين لم يسمعوا أي توضيحات رسمية أو خطط واضحة لمعالجة الأزمة أو حتى تطمينات بشأن موعد عودة التيار الكهربائي بصورة مستقرة، الأمر الذي زاد من حالة الإحباط وسط المزارعين، وأشار إلى أن إستمرار الأزمة يهدد بخسارة موسم زراعي كامل، وما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق على الولاية التي تعد من أهم مناطق الإنتاج الزراعي في السودان.
وفي ختام حديثه لـ(أصداء سودانية)، ناشد الحاج الياس الجهات الإتحادية والولائية المختصة التدخل العاجل لمعالجة أسباب الانقطاع، وعلى رأسها إصلاح المحول الرئيسي للولاية الشمالية بسد مروي، مؤكداً أن إنقاذ ما تبقى من المحاصيل يتطلب تحركاً سريعاً قبل أن تتفاقم الخسائر وتتحول الأزمة إلى تهديد حقيقي للأمن الغذائي ومعاش الناس في المنطقة
صورة قاتمة:

ومن جانبه، رسم المزارع محمد علي، من منطقة القرير، صورة قاتمة لحجم الأضرار التي خلفها انقطاع التيار الكهربائي على القطاع الزراعي بالمنطقة، مؤكداً أن محصول المانجو، الذي تُعرف به القرير وتشتهر بإنتاجه على مستوى الولاية الشمالية، كان من أكثر المحاصيل تضرراً جراء الأزمة، وقال إن الانقطاع المتكرر والممتد للكهرباء أدى إلى إضطراب عمليات الري في فترة حرجة من مراحل نمو الأشجار وإنتاج الثمار، الأمر الذي إنعكس بصورة مباشرة على جودة المحصول وكميته.
وأوضح أن عدداً كبيراً من المزارعين إضطروا إلى قطف ثمار المانجو قبل إكتمال نضجها الطبيعي وتحوّل ألوانها بالشكل المطلوب خوفاً من فقدانها بالكامل نتيجة العطش أو تساقطها من الأشجار، مبيناً أن ذلك تسبب في إنخفاض قيمتها التسويقية وتراجع العائد الإقتصادي المتوقع منها، وأضاف أن المزارعين أنفقوا مبالغ طائلة خلال الأشهر الماضية في محاولة لتقليل حجم الخسائر، سواء عبر تشغيل بدائل مكلفة للري أو توفير الوقود للمولدات الخاصة، إلا أن تلك الجهود لم تكن كافية لمواجهة الآثار السالبة الناجمة عن غياب الكهرباء.
وأشار إلى أن شبح الخسائر ما يزال يطارد المنتجين الزراعيين في المنطقة، خاصة في ظل إرتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية للأسواق، لافتاً إلى أن كثيراً من المزارعين باتوا يخشون عدم القدرة على إسترداد رؤوس أموالهم التي ضخوها في الموسم الزراعي.. وطالب، محمد علي، الجهات المختصة بالتدخل العاجل لمعالجة الأزمة قبل أن تصل الأوضاع إلى مرحلة يصعب تداركها، مؤكداً أن التحرك السريع من شأنه أن يحد من حجم الخسائر ويمنع تفاقمها، بينما سيؤدي إستمرار الوضع الحالي إلى نتائج كارثية على المزارعين والإنتاج الزراعي بالمنطقة.
إنعكاسات خطيرة:

يحذر مختصون ومزارعون أن إستمرار أزمة الكهرباء في بعض أجزاء الولاية الشمالية قد تكون له إنعكاسات خطيرة على الأمن الغذائي في السودان، فالولاية الشمالية تعد من أهم مناطق إنتاج القمح والتمور والخضر والفاكهة والأعلاف، وأي تراجع في إنتاجها يعني إنخفاض المعروض من هذه السلع وإرتفاع أسعارها في الأسواق.. كما أن خروج المستثمرين والمزارعين من دائرة الإنتاج سيؤدي إلى تراجع فرص العمل وزيادة الضغوط الإقتصادية على المجتمعات المحلية.
وسط هذه الظروف الصعبة، تتوحد مطالب المزارعين والمستثمرين والرعاة في ضرورة التدخل العاجل لمعالجة أزمة الكهرباء بصورة جذرية ومستدامة.. ويؤكد الجميع أن الحلول المؤقتة لم تعد كافية، وأن إنقاذ ما تبقى من الموسم الزراعي يتطلب إعادة الإستقرار للإمداد الكهربائي، إلى جانب دعم المزارعين في الحصول على بدائل للطاقة بأسعار معقولة.. ففي الولاية التي ظلت لعقود طويلة سلة غذاء السودان، يقف آلاف المواطنين اليوم أمام إختبار صعب بين التشبث بالأرض أو مغادرة الزراعة تحت وطأة الخسائر المتراكمة.. وبين الحقول العطشى والأشجار التي تنتظر الماء، يبقى الأمل معقوداً على تحرك عاجل يعيد الحياة إلى الأرض ويوقف نزيف الخسائر قبل فوات الأوان.