
دخول الحكومة كمستورد للوقود: معالجة للأزمة أم تعميق لها؟
دكتور البشير الحسن أبونخل
في ظل الأزمات المتكررة التي يشهدها قطاع الوقود في السودان، تبرز بين الحين والآخر مقترحات تدعو إلى تدخل الدولة المباشر في عمليات الاستيراد والتوزيع باعتبار ذلك مخرجاً للأزمة. ومن بين هذه المقترحات دخول الحكومة نفسها كمستورد للوقود. ورغم أن هذا الطرح قد يبدو للبعض حلاً سريعاً لمواجهة الاختناقات الحالية، إلا أن النظرة المتعمقة تكشف أنه ليس حلاً نهائياً للأزمة، بل قد لا يكون حلاً مرحلياً ناجعاً أيضاً، إذ إن أضراره المحتملة تفوق منافعه المتوقعة.
أول ما يثير القلق في هذا التوجه هو طبيعة الجهاز الإداري والتنظيمي الذي سيتولى تنفيذ ومتابعة عمليات الاستيراد والتوزيع. فالاستيراد التجاري للوقود ليس مجرد إجراءات إدارية أو تعاقدات مالية، بل هو نشاط اقتصادي معقد يتطلب خبرات متراكمة في التفاوض، وإدارة المخاطر، وتأمين الإمدادات، والتخزين، والنقل، والتوزيع، والتعامل مع تقلبات الأسواق العالمية. ومن غير المرجح أن تمتلك المؤسسات الحكومية القدر الكافي من المرونة والخبرة التجارية التي يتمتع بها القطاع الخاص المتخصص. وعليه، فإن الجهاز الذي يُفترض أن يحل المشكلة قد يصبح في حد ذاته مصدراً لتعقيدها وإضعاف كفاءة الإمداد.
كما أن التجارب السابقة تؤكد أن توسع الدولة في الأنشطة التجارية يفتح أبواباً واسعة أمام الفساد الإداري والمالي. ولا يخفى على أحد أن مؤسسات الخدمة المدنية في السودان تعاني منذ سنوات طويلة من مشكلات مزمنة تتعلق بالرشاوى والعمولات والمحسوبية وضعف نظم الرقابة والمساءلة. وفي مثل هذه البيئة، يصبح من المشروع التخوف من أن تتحول عمليات استيراد الوقود إلى ساحة جديدة لتضارب المصالح وتحقيق المكاسب الخاصة على حساب المصلحة العامة، بما يؤدي إلى زيادة التكلفة وتراجع الكفاءة بدلاً من تحقيق الوفرة والاستقرار.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن دخول الحكومة كمستورد مباشر للوقود يمثل تراجعاً عن النهج الذي تبنته الدولة خلال العقود الماضية والقائم على اقتصاد السوق وتحرير الأنشطة الاقتصادية. فالدولة الحديثة يفترض أن تركز على دورها التنظيمي والرقابي ووضع السياسات العامة، لا أن تتحول إلى منافس للقطاع الخاص في إدارة الأنشطة التجارية. إن العودة إلى التحكم المباشر في مفاصل الاقتصاد لا تعكس بالضرورة قوة الدولة، بل قد تكون مؤشراً على ضعف البيئة المؤسسية وعدم القدرة على بناء سوق تنافسية ومنظمة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا لم يكن دخول الحكومة كمستورد هو الحل، فما البديل؟
الحقيقة أن معالجة أزمة الوقود لا تتطلب أن تصبح الدولة تاجراً، بل أن تؤدي دورها الطبيعي كمنظم ورقيب وضامن للمنافسة العادلة. وعلى المدى القصير، يمكن للحكومة اتخاذ إجراءات أكثر فعالية وأقل مخاطرة، من بينها إنشاء مخزون استراتيجي من الوقود لمواجهة الطوارئ، وطرح عطاءات تنافسية وشفافة أمام الشركات المؤهلة ذات الخبرة والملاءة المالية، وتسهيل إجراءات الاستيراد والتخليص الجمركي، وتشديد الرقابة على شبكات التوزيع لمنع الاحتكار والتهريب والتخزين غير المشروع.
كما أن اعتماد نظم إلكترونية حديثة لمتابعة حركة الوقود من الميناء إلى المستهلك النهائي من شأنه تعزيز الشفافية وتقليص فرص الفساد والتلاعب، فضلاً عن توفير ضمانات مصرفية وتمويلية واضحة للمستوردين المؤهلين بما يضمن استقرار الإمدادات وعدم تعرض السوق لهزات متكررة.
أما الحل الحقيقي والمستدام فيكمن في معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها قطاع الطاقة في السودان. ويتطلب ذلك إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية النفطية، وتوسيع قدرات التخزين والنقل والتكرير، وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية في قطاع الطاقة، وتهيئة بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال.
كما ينبغي تنويع مصادر الطاقة وعدم الارتهان الكامل للوقود المستورد، عبر التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والاستفادة من الإمكانات الطبيعية الهائلة التي يتمتع بها السودان. فالأمن الطاقوي لا يتحقق فقط بتوفير الوقود اليوم، وإنما ببناء منظومة متكاملة تضمن استدامة الإمدادات لعقود قادمة.
ومن الضروري كذلك إعداد استراتيجية وطنية شاملة للطاقة تمتد لعشرين أو ثلاثين عاماً، ترتبط بخطط التنمية الاقتصادية والصناعية والزراعية، وتحدد بوضوح أولويات الاستثمار والإنتاج والاستهلاك، مع إنشاء مؤسسات تنظيمية مستقلة وقوية قادرة على فرض الشفافية والمساءلة وضمان المنافسة العادلة بين جميع الفاعلين في القطاع.
إن أزمة الوقود التي تواجه السودان ليست أزمة مستوردين بقدر ما هي أزمة سياسات ورؤية وإدارة. ولذلك فإن الحل لا يكمن في أن تحل الحكومة محل القطاع الخاص، وإنما في أن تضع الأطر السليمة التي تمكن القطاع الخاص الكفء من أداء دوره بكفاءة ومسؤولية، مع رقابة حكومية فعالة وحازمة.
وعليه، فإن دخول الحكومة كمستورد مباشر للوقود يبدو أقرب إلى خطوة إلى الخلف منه إلى تقدم نحو الحل. أما من أوحى بهذا المقترح لصناع القرار، فقد قدم لهم وصفة قد تزيد الأعباء على الدولة وتعمق الاختلالات القائمة، بدلاً من توجيه الجهد الوطني نحو إصلاحات مؤسسية واستراتيجيات بعيدة المدى تعالج جذور الأزمة وتؤسس لأمن طاقوي مستدام يخدم الاقتصاد والمواطن على حد سواء.