
جمهورية الشيوخ تتمدد
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*قبل الحرب اللعينة التي اشعلتها قوات الدعم السريع المتمردة في بلادنا بعامين أو أكثر قليلاً، عرفت إحساس والديَّ ـ رحمهما الله ـ وأنا احتضنهما مودعاً ومغادراً ومهاجراً في أرض الله الواسعة قبل نحو أربعة عقود من الآن تقريبأ، ولم يذرف أيٍ منهما دمعة ، بل كان كل منهما يشجّعني بطريقته ويبتسم في وجهي، ويحاول أن يخفّف عني ما يمكن أن يكون قد ثقُل في قلبي ، من همٍّ مُقيم؛ وأحسب أنهما كانا يقرآن ما يدور بخاطري .. ولم أذرف دمعة، فقد نشأنا في بلد تعتبر دموع الرجال عيب .. وضحك الرجال (بكا).
*أحسست بما في دواخل ابني (محمّد)، وهو واسطة العقد بين أشقائه ، في ذلك الوقت قبل هذه الحرب اللعينة، وأحسست بما يجيش في صدره، وهو يحاول أن يرسم إبتسامة على وجهه، وهو يودّعنا ليعود إلى مهجره الذي إختاره قبل تلك الفترة بقليل، رأيته وهو يقبل رأس والدته، وأكف أصغر مولود لدى الأسرة آنذاك ، وهو (إياد)إبن شقيقه الأكبر .. الأحداث تتشابه وإن إختلف الشخوص ، فقد بدأ إبني (محمد) رحلة الهجرة إلى وطن بديل، بعد أن إستعصت عليه فرص العمل في بلاده، وهو الخريج عالي التأهيل، الحاصل على مرتبة الشرف والذي نال دورات تدريبية عدة في مجالات مختلفة ، تتصل بدراسته للعلوم السياسية.
*طائرة الليل البهيم لم تقلّه وحده من بين أحضان أسرته الدافئة، إلى حيث زمهرير الغربة (البطّالة)، فقد خرج معه من بوابة الخروج نفسها إثنين من أبناء خالاته (رواد) و(إسلام) وسبقهما ابن خاله (محمد) وأحد أبناء عماته (مروان)، وكثير من زملائه وأصدقائه، وما كنا نعرف من ستأخذه المنافي من بيننا ، ونحن لا نملك أن نقف أمام تطلعات أبنائنا ورغباتهم في تحسين أوضاعهم العامة.
*وقف شبابنا آنذاك عند بوابات المغادرة، والقضية ليست شخصية أو خاصة، فنسبة البطالة حسب الإحصاءات الرسمية التي أعرفها من واقع البيانات ، بلغت نحو (80%) وربما أكثر قبل الحرب، وكنا نتحدث ونملأ الدنيا ضجيجاً بمشروعات تشغيل الشباب والخريجين، أو تمويل مشروعات الشباب، وفتح فرص العمل العام والخاص أمام شبابنا، لكن ذلك كله لم يقف مانعاً للهجرة، فقد هاجر قرابة العشرين ألف شاب وخريج خلال عام واحد، ونحسب ان العدد تضاعف عشرات المرات بعد هذه الحرب المدمرة، هرباً من جحيمها وهرباً من العطالة والجوع والفقر ، وعدم إلتفات الساسة الجاد لأخطر قضايا الشباب، وهي العطالة، ومنها تتفرع أمراض اجتماعية خطيرة نعرفها لكننا نغض الطرف عنها.
*وكلنا نعرف أن المشاكل لن تحل نفسها بنفسها، إذ لا بد من أن تدخلات خاصة بدراسة المشكلة والظاهرة، وتحليلها، مع تقديم مقترحات الحلول، والجميع كانوا على ثقة تامة أن أبناءنا لن ينتظروا مؤتمرات (اللّت)و (العجن) الذي كان يقوم به من نسميهم بالمسؤولين من الساسة الحزبيين أو المتصارعين على المصالح والسلطة ، داخل قاعات المؤتمرات والاجتماعات (الوهمية)، لأن إهتمام الساسة بالصراع على السلطة، والإهتمام بالقضايا الإنصرافية التي تضر ولا تنفع، كان أهم بالنسبة لهم من قضايا الشعوب الحقيقية ، لذلك حدث نزف الشباب، وبدأ الكثيرون في حمل السلاح لأجل الصراع مع المكونات الأخرى على السلطة، وكانت بل وجاءت هذه النتائج الحتمية ، وهي تفكيك الدولة ، وضعضعتها ، ورهنها للقوى الخارجية ، بينما بلادنا تشيخ.
*الآن وجبت الإنتباهة، بعد أن (وقع الفأس في الرأس)أو كما نقول، الآن يجب أن تعود مراكز الوعي للعمل في عقول الحادبين على مصلحة البلاد والعباد، لابد من التركيز على مؤسسات الدولة الحقيقة في الحفاظ على ما تبقى من وطن قبل أن يضيع، لابد من تقوية هذه المؤسسات حتى يعود الوطن معافى من جديد، ولابد من تقوية مؤسسات الخدمة العامة بعيداً عن المحاصصات الجهوية والقبلية والسياسية، ونعني المؤسسات التي تمسك بوحدة الوطن ، مثل القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية الرسمية، وجهاز الأمن والمخابرات وإلا على الوطن السلام.