
هندسة الوعي المالي.. من إدارة العوز إلى صناعة الأمان النفسي لأبنائنا
دكتورة سهام موسى
*في عمق تجربة اللجوء والنزوح القسري، حيث تنقلب الموازين الإنسانية وتتلاشى الاستقرارات المادية التي بناها الإنسان عبر عقود، تبرز معضلة تربوية ونفسية بالغة الحساسية داخل الأسر السودانية المقيمة بمصر؛ ألا وهي: كيف ندير الموارد المحدودة ونربّي أبناءنا على وعي مالي متوازن دون أن نورّثهم القلق النفسي أو نشعرهم بالحرمان؟.
*إن التربية المالية في ظل ظروف الشتات ليست مجرد أرقام تُحسب، بل هي عملية إعادة بناء سيكولوجية واجتماعية للأسرة بأكملها.. فالطفل الذي انتُزع من بيئته المستقرة ليجد نفسه في عالم جديد، يحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم (الأمان) و(المادة) بعيداً عن الصدمات النفسية المتراكمة.
*تبدأ معالجة الوعي المالي لدى الناشئة من الإدراك الواعي لتلبية الاحتياجات الأساسية أولاً، والتفكير في كيفية استغلال أي فائض -إن وجد- بأسلوب تدبيري واستثماري أمثل.. ولا يمكن تحويل هذه المبادئ إلى سلوك قائم لدى الأبناء إلا عبر مراحل تشمل: التخطيط الواعي لإشراك الأبناء في فهم الأولويات الأسرية وترتيبها، مع التمييز بين (الحاجة الضرورية) و(الرغبة الثانوية)، والتنفيذ بالمشاركة باصطحاب الأبناء أثناء الشراء، واطلاعهِم على كيفية مقارنة السلع وبدائلها، والبحث عن السعر الأقل والجودة الأفضل، ورفض أساليب الاستغلال أو الهدر، مع التقييم الودي بمنح الطفل مصروفا شخصياً متوازناً، ثم مناقشته دورياً بطريقة ودية وهادئة حول مجالات صرفه، بعيداً عن المراقبة الخانقة أو التوبيخ المستمر، لتقبل التوجيه بمرونة.
*يلجأ بعض الآباء والأمهات تحت ضغوط الحياة إلى حرمان الطفل من المصروف كعقاب على خطأ ما.. ومن منظور إرشاد نفسي، فإن استخدام الحرمان المالي المباشر وبشكل متكرر يفقد وسيلة العقاب قيمتها التعديلية، وقد يدفع الطفل إلى البحث عن بدائل غير مشروعة لتعويض احتياجه، خاصة عند مقارنة نفسه بأقرانه.
*تنبيه إرشادي: ينبغي التنويع في أساليب التهذيب، والتأكد من توافق خطط الوالدين؛ إذ إن تعويض أحد الطرفين للطفل سراً بعد عقاب الآخر يفسد المنظومة التربوية كلياً
*يمكن تحويل المصروف اليومي أو الأسبوعي إلى أداة لتنمية الذكاء المالي والعاطفي عبر تقسيم قيمته إلى مسارات تشتمل على مسار الاحتياجات اليومية لتلبية متطلبات المدرسة أو النشاط الشخصي، ومسار الادخار والاستثمار عبر أفكار متجددة كالصناديق المنزلية أو الجمعيات الصغيرة القائمة على الادخار الجمعي، مما ينمي قدرة الطفل على التأجيل الممنهج لبعض الرغبات لتحقيق أهداف أكبر، ومسار العطاء والإحساس بالآخر بتخصيص اقتطاع بسيط للصدقة والعمل الخيري، لترسيخ القدوة العملية والتعاطف الإنساني في وجدان الطفل.
*إن ترسيخ الثقافة المالية لدى أبنائنا في مجتمعات اللجوء والشتات يتجاوز فكرة إدارة المصاريف؛ إنه إعداد جيل يتسم بالصلابة النفسية والوعي المجتمعي، ويقدر قيمة الموارد دون أن يستسلم لظروف النزوح ومحنه.