
أزمة ممتدة تتواصل
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*تواصلت خلال اليومين السابقين مع أحد الأصدقاء في الخرطوم ، سألته عن الأوضاع الأمنية وأوضاع الخدمات بصورة عامة ، وما يتم تداوله حول غلاء فاحش طال كل شيئ حتى رغيف الخبز لم يسلم منه
كانت إجابة الصديق صادمة ، وهو من الذين عادوا إلى السودان قبل أسابيع قليلة ، وقال لي أنني اذا أردت العودة – وهذه رغبة الآلاف من اللاجئين – علي أن أتروى قليلا لأن الوضع الحالي قد لا تحتمله فئة كبار السن ولا فئة الأطفال ، وقال لي لذلك يجب عليك إكمال علاجك وإكمال جلسات العلاج التي بدأتها ولم يتم تحديد موعد لنهايتها بعد.
*أصبت بحالة من الإحباط والقلق، خاصةً وانني ظللت في السودان طوال العامين الأولين من الحرب، وضربتني حمى الضنك مثلما أصابت أحد أبنائي واحد أشقائي وعانينا كثيراً ، حتى أنني كتبت وصيتي بعد تلك المعاناة التي ذقتها.
*أما ما أزعجني أكثر فهو عدم إنتظام الإمداد الكهربائي وهذا من أزماتنا القديمة المتجددة ، لكن الحرب وتخريب محطات الكهرباء بإستهدافها من قبل مليشيا الدعم السريع المتمردة زادتها سوءاً ، وما كنا نحسب أن يتأثر الإمداد الكهربائي في بلادنا إلى هذا الحد ، بما توفر لنا من خزانات مياه قديمة كانت مصدراً لتوليد الكهرباء المائية ، كان آخرها سد مروي هذا الصرح العملاق الضخم ، ثم مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت ، وقد وضعت الدولة السودانية خطة وطنية لرفع كفاءة الطاقة الكهربائية في البلاد ، وكنت شاهداً في أبريل من العام 2017 م ، بل كنت مشاركاً في جلسة لمجلس الوزراء آنذاك ترأسها الرئيس السابق عمر حسن البشير، إنعقدت في مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت ، وكان جدول أعمال تلك الجلسة كله يرتبط بالخطة الوطنية التنفيذية لكفاءة الطاقة الكهربائية بالبلاد ، وموقف تنفيذ مشروع مجمع مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت، مع إستعراض عام لمشروع إستغلال الطاقة الشمسية في الفترة من (2016 – 2020) إن لم تخني الذاكرة ، وكان ذلك مقترح من الرئيس السابق عمر البشير قبل فترة تحت مسمى (شمس السودان طاقة وإنتماء).
*كانت الجلسة طويلة خاصةً وإن هناك خمسية في ذلك الوقت موجهة لتوفير مياه الشرب عرفت بإسم (زيرو
في عطش) ..تلك الجلسة علمت ان فكرة مشروع مجمع السدين قديمة ، برزت عام 1947 ، ولم يتم التوقيع على التنفيذ الا في العام 2010 م . فتأمل.
*في تلك الجلسة منحني رئيسها فرصة للمداخلة ضمن ثلاث فرص منحها للإعلاميين وأذكر أنني تناولت ثلاث نقاط كانت النقطة الأولى عن دور المجتمع في التنمية ، لأن دور الحكومة الأساسي يمكن أن نجمله في إنشاء الطرق وتوفير المياه الصحية ، وتوفير الكهرباء ومد خطوطها إلى مناطق الإنتاج وإنشاء المدارس التي هي قوام الوعي الإنساني.
*أما ثانية النقاط فكانت حول ضرورة العمل على إنشاء محطات نووية لإنتاج الكهرباء التي تضمن إنتاجاً عالياً ومستمراً ومستقراً لنا وللأجيال القادمة . والنقطة الثالثة كانت حول ضرورة الحيطة والحذر والتحسبات لأي خلل أمني في المنطقة بعد التغيير الكبير الذي شهدته ، بإنشاء إحدى عشر مدينة مكتملة المرافق ، مع خمسين مدرسة أساس وخمس وعشرين مدرسة ثانوية (بنين وبنات) وخمسة وعشرين مسجداً وخمس محطات لتنقية المياه، وعددٌ من الأندية مع توفير إمداد كهربائي بدأ بثمانين ميغاوات تنتجها توربينة واحدة هي الأولى من بين أربع توربينات ستدخل الخدمة بالتتابع ، ويكتمل في بعد فترة قصيرة من الافتتاح لتصبح جملة الإمداد ثلاثمائة وعشرين ميغاوات هي جملة إنتاج الكهرباء التي كانت ستكون إضافة حقيقية ومعتبرة للشبكة القومية. وذكرت إن التحول الكبير في المنطقة سيجعلها جاذبة لمواطني بعض دول الجوار المضطرب ، خاصةً التي تعاني من إضطرابات أمنية أو تلك التي يعاني أهلها من الفقر ، وهذا قطعاً سيعمل على تغيير الخريطة السكانية للمنطقة إذا لم يتم التحسب أو التحوط له ، والمنطقة تشهد تحولات ضخمة بعد أن توفرت لها مشروعات كبيرة من بينها مشروع استثماري واحد تبلغ مساحته مليون فدان شراكة مع المملكة العربية السعودية.
*داخل الاجتماع لم أجد إجابة على تساؤلي الخاص بالمحطات النووية لإنتاج الكهرباء ، ولكن بعد الاجتماع قال لي الدكتور الصادق الهادي المهدي، إن المحطات النووية هي الحل للأجيال القادمة ، بينما أمسك الوزير – وقتها – معتز موسى بيدي ونحن ندلف نحو الاستراحة قبيل أداء الصلاة ، وقال لي إنه سيتحدث إلي لاحقاً حول المحطات النووية.
*لكن ومنذ ذلك الوقت ظللنا نتقهقر بدل أن نتقدم ، وأخشى أن تكون معاناة الأجيال القادمة أسوأ من معاناتنا الآن.