آخر الأخبار

الحرب سرقت أوراقهم والفساد يسرق أرزاقهم

همس وجهر

ناهد اوشي

 

*في ظل الحروب، لا تقتصر المأساة على الدمار والنزوح وفقدان الأرواح ، بل تمتد لتصيب مؤسسات الدولة بالشلل، فتتحول معاناة المواطنين الى بيئة خصبة للتجاوزات الادارية. يجسد اختصاصيو وفنيو المعامل الطبية هذا الواقع المؤلم بوضوح؛ فقد ضاعت وثائقهم المهنية وشهاداتهم الدراسية تحت الركام، وبدلا من ان تمد اليهم جهات الاختصاص يد العون وتستوعب ظروفهم الاستثنائية، اصطدم هؤلاء بقرارات اغلقت المعامل وحرمتهم من حقهم في مزاولة المهنة بحجة فقدان المستندات الثبوتية، متجاهلة واقع الظروف القاهرة التي فرضها النزاع.

*وعندما سعت جهات الاختصاص لاحقا لحل الأزمة عبر طرح امتحانات تاهيلية، كان المامول ان تشكل هذه الخطوة بارقة أمل لعودة المهنيين الى اعمالهم.. إلا ان المسار تحول إلى سلسلة من العقبات البيروقراطية غير المبررة؛ اذ تعطل إصدار الشهادات والوثائق المطلوبة لاشهر طويلة، مع تزايد الشكاوى حول استغلال البعض لحاجة المهنيين الملحة عبر فرض ممارسات غير قانونية او شروط تعجيزية لتسريع المعاملات.. هذا ليس مجرد خلل اداري عابر، بل هو تجاوز أخلاقي يرهن كرامة المهنيين بانتفاع بعض المحسوبين على العمل الاداري، ويؤدي بشكل مباشر الى تآكل الثقة في المؤسسات الوطنية.

*ان تعطيل الكوادر الطبية وإغلاق المختبرات يضعف المنظومة الصحية في أحلك الظروف، وهو ما يعني ان هذه الممارسات لا تضر الافراد المقهورين فحسب، بل تهدد الأمن الصحي والمجتمعي برمته.. ان اعادة البناء لا تكتمل بترميم المباني المدمرة فحسب، بل تبدا بإعادة الاعتبار لمبادئ النزاهة والشفافية وحفظ كرامة الانسان.

*ان الواجب الوطني في هذه المرحلة الدقيقة يفرض التحرك العاجل لاصدار الشهادات المستحقة للمستوفين للشروط دون تأخير ، والتحقيق الجاد في أي ممارسات تعيق عمل المهنيين او تضع عراقيل مصطنعة امامهم.. فالحرب قد تسلب الانسان بيته واوراقه وممتلكاته، لكن لا يجوز للمؤسسات التي وجدت لخدمته ان تسلبه حقه في العمل او تزيد من معاناته.. ان النجاة من تبعات الحرب تتطلب تكاتف المؤسسات لتبسيط الاجراءات وتقديم الخدمات للمتضررين، لا وضع العراقيل امامهم.. ان حماية العدالة والنزاهة هي جوهر معركة التعافي الوطني، فالوطن الذي ينجو من نار الحرب، قد لا ينجو من التصدع الداخلي اذا ما تركت هذه الممارسات دون مواجهة حازمة.