تحرير الكرمك لا يعني نهاية المطاف(النيل الأرزق)… أبعاد الصراع الاستراتيجي
- استراتيجية دولة الإمارات في القرن الافريقي مرتكزها نهر النيل الأزرق والبحر الأحمر
- نهر النيل الأزرق معادل مهم في علاقات السودان ومصر واثيوبيا ومشروع القرن (سد النهضة)
تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
صحيح أن القوات المسلحة والقوات المشتركة والمجموعات المساندة لمعركة الكرامة قد استردت مدينة الكرمك السودانية الواقعة على تخوم الحدود مع اثيوبيا وقد اثلج هذا الاسترداد صدور كل السودانيين الشرفاء الواقفين والداعمين للقوات المسلحة في معركة الكرامة والتي ثبت انها معركة وجود استخدمت فيها قوات الدعم السريع المتمردة التي خرجت على الدولة وكانت جزءا منها كأداة لزلزلة الدولة السودانية ومحوها من الوجود بتفتيتها وتمزيقها لدويلات لنهب ثرواتها ومواردها الظاهرة والمخبؤة وصحيح أن استرداد الكرمك قد مثل انتصارا جديدا في معركة الكرامة يضاف إلى سجل الانتصارات التي تحققت من قبل في العديد من المحاور.. ولكن بالطبع فان الانتصار في الكرمك لا يعني نهاية المطاف ولايعني أن الحرب في محور النيل الازرق قد انتهت وذلك للاهمية الاستراتيجية لحوض نهر النيل الازرق الذي تكمن اهميته انه المغذي الرئيسي لمياه النيل بكميات تتراوح ما بين 80% إلى85% فضلا عن انه من منبعه في بحيرة تانا يقطع مسافة 1450 كيلو متر من اثيوبيا إلى السودان ويعرف في اثيوبيا باسم ابيئ وياخذ اسم النيل الازرق في السودان ومن روافده نهري الدندر والرهد ويلتقي مع نهر النيل الأبيض في مقرن النيلين عند مدينة الخرطوم ليشكلا سويا نهر النيل والذي يكون مصبه البحر الأبيض المتوسط بجمهورية مصر العربية
(1)

كتاب (النيل الأزرق) للمؤرخ والكاتب الاسترالي الان مورهيد يعد من أبرز الاعمال التاريخية التي توثق رحلات الاستكشاف لنهر النيل الازرق ورافده ولكنه ايضا في حقيقة الأمر يكشف الابعاد الاستراتيجية والجيو سياسية التي ارتبطت بالمنطقة فهذه الكشوفات لمنابع النيل سواء نهر النيل الازرق والنيل الابيض لها ابعاد استراتيجية يمكن تلخيصها في ما يلي:
– الصراع على الموارد حيث يكشف بوضوح كيف ارتبط مصير دول حوض نهر النيل (السودان ومصر واثيوبيا) بالسيطرة على منابع النيل الأزرق في الهضبة الاثيوبية
والتي كانت ولم تزل محط اطماع القوى الاستعمارية.
– تبرز الاهمية الجيوسياسية والموقع الاستراتيجي لحوض نهر النيل الازرق كشريان حيوي للحياة فالصراعات التي يشهدها النيل الازرق في جنوب شرق السودان صراعا استراتيجيا معقدا يتداخل فيه السياسي والعسكري والمائي فمنذ ثمانيات القرن الماضي ادخلت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل قرنق النيل الازرق في حلبة الصراع واستمر الوضع بعد التوقيع على اتفاقية السلام السودانية2005م حيث تشكلت بعد انفصال الجنوب في دولته الجديدة الحركة الشعبية شمال بقيادة ثلاثية في بادئ الامر (عقار- الحلو- عرمان) وسرعان انقسمت على نفسها لثلاثة تيارات انحاز تيار الجنرال مالك عقارإلى السلام عبر اتفاق جوبا للسلام الموقع بين الحكومة السودانية وعدد من حركات الكفاح المسلح في اكتوبر 2020م بينما بقي تيارا الحلو وعرمان مع خيار الحرب حتى الآن وقد زاد على ذلك ان دخل الأول في تحالف تأسيس مع قوات الدعم السريع المتمردة وقد اصبح اقليم النيل الازرق جزءا من محاور قتاله حيث خسر فيها مؤخراعددا من المناطق أبرزها الكرمك وقد تماهى الثاني مع آل دقلو بالشكل الذي نراه.
عموما أصبح الوضع في النيل الازرق منذ بدء الحركة الشعبية عملها على تلال الانقسنا مرورا بتحركات الحركة الشعبية شمال حتى مرحلة تأسيس كل ذلك حول النيل الازرق الاقليم إلى بؤرة صراعات متجددة علاوة على بؤرة الصراع الاقليمي والدولي في النيل الازرق النهر الذي يرفد نهر النيل بعد التقائه مع النيل الابيض في مقرن النيلين بالخرطوم بنسبة تصل إلى ما بين 80%- 85 %م من المياه مما اصبح بسبب ذلك النيل الازرق مسرحا للصراع الجيوسياسي المرتبط بالموارد والتي تمثل المياه واحدة من عناصره المهمة.
(2)
انتهت كل الدراسات الاستراتيجية إلى ان نهر النيل الازرق يعتبر شريان الحياة الرئيسي في المنطقة ولكن يثور سؤال مهم وهو ما مدى تأثير المشروعات المائية الكبرى ومثالها الواضح (سد النهضة)على الأمن القومي المائي للسودان ومصر وارتباط ذلك باستقرار الاقليم؟.
من المهم جدا أن نذكر ونتذكر أن نهر النيل الازرق يشكل معادلا مهما في العلاقات السودانية المصرية الاثيوبية وقد زاد قيام مشروع القرن (سد النهضة) وما رافقه من اشكالات قانونية وفنية من هذه الاهمية ف (سد النهضة) لاشك انه مشروع حيوي واستراتيجي لدولة اثيوبيا ولكن انشاء السد برغم ان الكثير من الملاحظات الفنية والقانونية ادخل الدول الثلاث في مشكلات جديدة على ما بين السودان واثيوبيا من توترات حدودية في منطقة الفشقة ومناطق تقع على تخوم الحدود بينهما علاوة على المشكلات الحدودية بين السودان وجنوب السودان في مناطق كثيرة من ضمنها المشكلات على تخوم النيل الازرق ولكن دخول دولة الكيان الصهيوني في التأثير على كل محاور الصراع الاستراتيجي في النيل الازرق قد ادى لتعقيد المشهد ف (اسرائيل ) من المؤكد انها تمثل لاعبا استراتيجيا غير مباشر في الصراعات بالنيل الازرق حيث تتقاطع مصالحها مع دولة المنبع (اثيوبيا) بهدف خلق توازن مع قوى اقليمية تحاصر النفوذ العربي ويؤمن من مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية وغني عن القول إن اسرائيل قد حددت ومنذ وقت مبكر أهدافها ومحاورها في المنطقة العربية.
وقد اتخذت خطوات كثيرة لتطويق الامن العربي الافريقي وحوض النيل كامتدادلامنها القومي من خلال تاسيس لتحالفات لكسر العزلة الاقليمية وتخفيف الضغط عليها من قبل الدول العربية.
(3)
وتسعى الاستراتيجية الاسرائيلة والتي تعول على اثيوبيا كحليف استراتيجي تاريخي إلى السيطرة على الممرات المائية من خلال التواجد في ارتريا وعقد اتفاقيات استراتيجية مع اثيوبيا تضمن من خلالها تل ابيب مراقبة حركة الملاحة في البحرالاحمر وباب المندب لأنه يمثل ممرا حيويا لتجارتها كما تقدم لها الدعم الفني والتقني الزراعي كورقة على دولتي مصب نهر النيل وبرغم ان تل ابيب تسعى لتثبيت حضورها الدبلوماسي للوساطة بين القاهرة وأديس أبابا لتسوية خلافات سد النهضة إلا أن هناك اتهام لإسرائيل أنها من وراء حجاب وستار توالي الموقف الاثيوبي للحفاظ على مصالحها ولكن ظلت تل ابيب تنفي بشدة ما يتردد عن موالاتها لاديس ابابا بل تؤكد انها على مسافة واحدة بين مصر واثيوبيا في ما ظلت القاهرة والخرطوم تبديان قلقهما الواضح تجاه التغلغل الاسرائيلي في مياه النيل والاحمرومما يزيد المخاوف ان هذا التغلغل يجد غض الطرف ان لم نقل التأييد من القوى الاقليمية والدولية التي تريد توتير دولتي مصب نهر النيل (السودان ومصر)
(4)

الحكومة السودانية ممثلة في وزارة الزراعة والري ابدت مخاوفها مؤخرا عن ما اسمته بالانخفاض المؤقت في مناسيب نهر النيل جراء انخفاض تصريف سد النهضة الاثيوبي والمح بيان صحفي اصدرته ادارة الخزانات التابعة للوزارة نشرته (اصداء سودانية ) ان الانخفاض سيكون مؤقتا في الوارد اليومي من خزان بحيرة الروصيرص خلال الفترة من 7 – 9 يوليو الجاري حيث انخفض من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يوميا أي بنقص بلغ 76مليون متر مكعب في اليوم.
وقال مصدر عليم وثيق الصلة بملف سد النهضة ان هذا الانخفاض الذي وصفته الجهات المختصة في الزراعة والري بانه مؤقت الا انه يندرج تحت بند المشكلات الفنية والقانونية الخاصة بملء سد النهضة والتي لم تزل عالقة وتسببت في بعض التوترات السياسية بين الدول الثلاث (السودان ومصر واثيوبيا) اذ ان ملف سد النهضة بكل تداعياته واثاره الفنية والقانونية لا يخرج من سياق الصراع الموارد والتي تضلع فيه بشكل واضح دولة الكيان الصهيوني (اسرائيل)والتي تجد مساندة اقليمية ودولية ظاهرة وخفية منها.
الظاهرة تتمثل في استراتيجية دولة الامارات العربية المتحدة تجاه القرن الافريقي والتي تمثل المياه (مياه نهر النيل )اسها واساسها والبحر الاحمر موانئه وثرواته في البحار الاقليمية للدول الساحلية المشاطئة فيه ومناطق اعالى البحار والمنطقة الاقتصادية الخالصة والتي تمثل ثرواتها الظاهرة والباطنة ملكا عاما للبشرية تنظمه اتفاقيات ومعاهدات دولية فدولة الامارات العربية المتحدة تلعب دورا استراتيجيا متعدد الابعاد في دول حوض نهر النيل ودول القرن الافريقي والبحر الاحمر وكل عناصر هذه الاستراتجية الظاهرة والخفية تتقاطع مع دولتي مصب نهر النيل (السودان ومصر) وبرغم ذلك فان ابوظبي تحاول تظهر بمظهر الحمل الوديع حيال الحرب الماثلة في السودان حيث انه ثبت للجميع انها الداعم والممول الرئيسي لمليشيا الدعم السريع التي تمردت علي شرعية الدولة التي كانت جزءا منها وفي ذات الوقت ذاته تتدخل في شئون السودان الداخلية ليس من باب انه دولة مازوومة ولكن من باب رعاية مصالحها في مياه النيل وتحالفها مع اثيوبيا ومن خلال تامين مصالحها الاستراتيجية في البحر الاحمر والقرن الافريقي والتي تحاول بكل السبل الابقاء عليها مهما كلفها من تحركات تامرية داعمة للمليشيا المتمردة او تحركات دبلوماسية تقدم من خلالها بعض مبادرات انسانية تحاول من خلالها ايهام العالم بانها داعية سلام ومحبة.