آخر الأخبار

هل ينجح السودان في كسب معركة الموسم الزراعي؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*ليس أمام السودان اليوم معركة أكثر أهمية من معركة الأمن الغذائي. ففي ظل استمرار تداعيات الحرب، والضغوط الاقتصادية، وتعقيدات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الإنتاج، لم يعد الموسم الزراعي مجرد دورة إنتاج سنوية، بل أصبح معركة وطنية تمس بقاء الدولة واستقرار المجتمع، وتحدد قدرة البلاد على حماية مواطنيها من مخاطر الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

*وفي هذا التوقيت الحرج، يمثل وصول (27) طرمبة ري جديدة مخصصة لتسعة من المشاريع الزراعية التي تشرف عليها شركة زادنا العالمية، بقيمة تقارب (25) مليون دولار ، خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، ورسالة عملية تؤكد أن الاستثمار في الزراعة هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل السودان.

*ويكتسب هذا الإنجاز أهمية استثنائية بالنسبة لمشروع الأمن الغذائي بالدامر، أحد أهم المشروعات الزراعية بولاية نهر النيل، والذي عانى خلال السنوات الماضية من تعثر أعمال الري وتأخر وصول الطلمبات، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة على حجم المساحات المزروعة والإنتاج الزراعي. واليوم، ومع وصول هذه المعدات، أصبحت الفرصة مواتية لإعادة المشروع إلى موقعه الطبيعي باعتباره أحد أهم روافد الأمن الغذائي بالولاية والسودان.

*غير أن وصول الطلمبات وحده لا يكفي، فالمطلوب هو الإسراع الفوري في تركيبها وتشغيلها قبل دخول الموسم الزراعي بصورة كاملة، لأن عامل الزمن أصبح حاسماً، وأي تأخير قد يفقد المزارعين فرصة الاستفادة من الموسم، خاصة وأن شهر أغسطس يمثل شهر الإعداد والتجهيز النهائي، بينما ينبغي أن تبدأ عمليات الزراعة خلال شهر سبتمبر، خاصة لمحاصيل العروة الصيفية المتأخرة، حتى يتم حصادها خلال نوفمبر، تمهيداً لانطلاق الموسم الشتوي، الذي يمثل موسم القمح، وهو المحصول الذي يعول عليه السودان كثيراً لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل فاتورة الاستيراد.

*وتزداد أهمية هذا الموسم في ظل تحديات مناخية ومائية غير مسبوقة. فقد شهد هذا العام تراجعاً واضحاً في معدلات الأمطار في عدد من المناطق، مع ارتفاع غير معتاد في درجات الحرارة، ورياح قوية، الأمر الذي يزيد من معدلات التبخر ويؤثر على رطوبة التربة، ويضاعف احتياجات الري.

*كما أن الانخفاض الملحوظ في مناسيب النيل خلال الأسابيع الأخيرة أثار قلقاً واسعاً وسط المزارعين والمهتمين بالشأن الزراعي. وقد أرجع عدد من الخبراء هذا الوضع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، منها إدارة مياه سد النهضة الإثيوبي، والتغيرات المناخية، وزيادة معدلات البخر، إلى جانب التغيرات في مواسم الفيضان. وبينما تختلف التقديرات الفنية حول الوزن النسبي لكل عامل، فإن المؤكد أن السودان مطالب بالتعامل مع الواقع المائي الجديد عبر تعزيز كفاءة استخدام المياه، وتحسين إدارة الري، وعدم الاعتماد على السيناريوهات التقليدية للموسم الزراعي.

*وقد لوحظ بالفعل تراجع مناسيب المياه في أجزاء من مجرى النيل، خاصة جنوب أم درمان، وامتداداً نحو شمال السودان، وهو ما يفرض على الجهات المختصة متابعة الموقف بصورة يومية، ووضع خطط عاجلة لضمان استمرار الإمداد المائي للمشروعات الزراعية، خصوصاً المشروعات الاستراتيجية التي تمثل صمام الأمان الغذائي للبلاد.

*ولا تقل أزمة الكهرباء خطورة عن أزمة المياه، فقد أصبحت الانقطاعات المتكررة للطاقة من أكبر التحديات التي تواجه تشغيل محطات الري والطلمبات في مختلف المشاريع الزراعية.. ولذلك فإن التنسيق بين وزارة الزراعة ووزارة الطاقة لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة.

*إن المستقبل يتجه اليوم نحو الطاقة الشمسية، والسودان يمتلك واحدة من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، وهو ما يمنحه ميزة استراتيجية ينبغي استثمارها سريعاً. فتركيب محطات طاقة شمسية بالمشروعات الزراعية الكبرى سيضمن استقرار عمليات الري، ويخفض تكاليف التشغيل، ويحد من الاعتماد على الشبكة الكهربائية، ويمنح المزارعين استقراراً إنتاجياً يحتاجونه بشدة في هذه المرحلة.

*إن مشروع الأمن الغذائي بالدامر، إلى جانب بقية المشاريع الزراعية التي تشملها خطة شركة زادنا العالمية، يجب أن يكون في مقدمة المشروعات التي تنفذ فيها منظومات الطاقة الشمسية بصورة عاجلة، حتى تصبح هذه المشاريع نموذجاً وطنياً للإنتاج المستدام، وقادرة على مواجهة الأزمات المناخية والطاقوية مستقبلاً

*ولعل التجارب العالمية أثبتت أن الدول التي استطاعت تجاوز الأزمات الاقتصادية والحروب لم تعتمد على الموارد الطبيعية وحدها، وإنما اعتمدت على حسن الإدارة، وسرعة اتخاذ القرار، والاستثمار في البنية التحتية الزراعية، والري الحديث، والطاقة المتجددة، والبحث العلمي، والتقانات الزراعية الحديثة.

*إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون سلة غذاء حقيقية لإفريقيا والعالم العربي؛ أرض واسعة، ومياه، وشمس، وخبرات بشرية، وموقع جغرافي متميز.. وما ينقصه هو سرعة التنفيذ، وتكامل القرار، والإدارة الرشيدة، وتقديم الزراعة باعتبارها أولوية وطنية لا تقل أهمية عن الأمن والدفاع.

*واليوم، ومع وصول الطرمبات الجديدة، بدأت أولى خطوات الطريق الصحيح، لكن نجاح الموسم الزراعي لن يتحقق إلا إذا اكتملت الحلقة سريعاً: تركيب الطرمبات، وصيانة قنوات الري، وتوفير الوقود والطاقة، ودعم المزارعين بالمدخلات الزراعية، وضمان التمويل المناسب، ومتابعة التنفيذ ميدانياً دون تأخير.

 

*إن معركة السودان الحقيقية ليست في ميادين القتال وحدها، وإنما في الحقول والمزارع وقنوات الري. فحين ينتج السودان غذاءه بيده، يكون قد وضع أساساً متيناً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.. إنها لحظة تستدعي تعبئة وطنية شاملة، تتكاتف فيها الدولة والقطاع الخاص والمزارعون والمؤسسات المالية والخبراء، لإنقاذ الموسم الزراعي، وتأمين غذاء السودانيين، ومنع أي تهديدات بالمجاعة أو النزوح أو عدم الاستقرار.

*ويبقى الأمل كبيراً في أن تتحول هذه الخطوات إلى مشروع وطني متكامل، يجعل من عام 2026 عاماً لاستعادة الزراعة السودانية مكانتها، ويؤكد أن الأمن الغذائي ليس شعاراً سياسياً، بل هو أساس السيادة الوطنية، وركيزة الكرامة والاستقلال، والضمان الحقيقي لمستقبل السودان.