آخر الأخبار

قربنا

 

قصة

د. أشرف مبارك –  السودان

وقف رجل. ثم جاء آخر ووقف بجانبه، كأن الوقوف عدوى خفيفة تنتقل بلا قصد.

امرأة لحقت بهما، وقفت خلفهما، وضمت حقيبتها إلى صدرها كأنها تخشى أن يتقدّم الدور فجأة.

لم يكن في الأمر ما يلفت النظر ثلاثة أجساد في فضاء مفتوح، تنتظر شيئا لم يُعلن عنه أحد. لكن الصف – مثل كل الأشياء التي تبدأ بلا نية – قرر أن يعيش. كبر ببطء، كأن الزمن نفسه يدفعه من الخلف رابع، خامس، ثم وجوه لا تُحصى.

صار للانتظار صوت:

تنحنح، احتكاك أقدام، تنهيدة طويلة، والتفاتة قلقة لقياس الموضع داخل المجهول.

ومع امتداد الصف، بدأ الكلام. الصمت الطويل يشبه المرض، والبشر لا يحتملون انتظارا بلا حكاية

تحدثوا عن الكسوف:

من قال إنه علامة، ومن قال إنه مجرد ظلّ عابر، ومن سأل إن كان سيعطّل الدوام. ثم انتقل الحديث إلى أزمة الغاز

من خزّن، من ملأ أسطوانتين، ومن ملأ ثلاثا، ومن حذّر من التخزين في هذا الحرّ، ثم همس أحدهم فجأة

لكن… ماذا لو انقطع؟

سكتوا لحظة، كأن السؤال أكبر من الإجابة، ثم عادوا يتجادلون في حديث آخر… عن أي شيء إلا ذلك

كلما طال الصف، اتسعت موضوعاته.

عن الغلاء، عن حرب بعيدة صارت أقرب من اللازم، عن الحكومة، عن أيام كانت أخفّ، وعن أحلام لم تجد طريقها.

وفي زاوية أخرى كان الحديث عن مباراة الأمس، وفي ناحية أبعد كان نقاش المدارس يفتح أبوابه.

صار الصف مكانا لتبادل القلق، ومخزنا صغيرا للطمأنينة المؤقتة. كان الصفّ، رغم صمته، يبدو كأنه يشيخ. يتثاقل في الحركة، كأن كل خطوة تُنتزع منه انتزاعا.

وفي بعض الأيام، كان الصفّ يبدو متعبا، يجرّ ظله خلفه مثل رجلٍ أنهكه الطريق.

وفي أيام أخرى، كان يقف بثبات غريب، كأنه وجد في الانتظار ما يشبه الراحة.

رجل مسنّ قال إنه يقف منذ الصباح لأن الدور مهم.. شابة وقفت لأن الطول لا يأتي بلا سبب. شاب جاء لأن الناس واقفون، والناس – في نظره – لا يفعلون ذلك عبثا.

في مكان ما من الصف كان رجل سبعيني يحدث الآخرين عن متى بدأت الصفوف والفواتير في هذا البلد. وفي مكان آخر كانت هناك مشادات وشجار بسبب الذين لم يلتزموا بالدور.

كبر الصف.. امتد عبر الشوارع، ثم عبر المدن، ثم صار له ظل يتجاوز البلاد.

من في المقدمة اختفوا، ومن في المؤخرة لم يعودوا يعرفون متى وصلوا.

وُلد أطفال في الصف، كبروا فيه، تعلموا العدّ بعدد الخطوات القليلة التي يتحركها كل يوم.

صار الوقوف درسا أول، والانتظار أسهل من السؤال بل تعريفا مبكرا للعالم. ثم، في لحظة لم ينتبه لها أحد، توقف الصف.. لا تقدّم.. لا تراجع ومع ذلك، لم يغادر أحد.

كان الخروج أصعب من البقاء، كأن الانتظار صار وطنا صغيرا لا يُترك بلا إذن.

وفجأة، سأل طفل بصوت خافت، كأنه يخشى أن يوقظ شيئا نائما

هو احنا واقفين ليه؟

ضحك رجل

قال آخر:

لسه بدري

امرأة ربّتت على رأسه:

الدور جاي. قربنا

عادوا إلى أحاديثهم:

الكسوف، الغاز، وكل ما يمكن قوله عدا السؤال. أما الطفل، فسكت. ثم شدّ على يد أمه، وتقدّم نصف خطوة، كما لو أنه تعلّم الدرس. والصف ظل واقفا. يكبر، يطول، وينتظر.